|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
نار الزغاريد
دار شرقيات - القاهرة 1998
|
فصل من نار الزغاريد -2- لا يذكر أحد بالتحديد متى بدأت عقارب الإغاثة تتلوى في رمال (توجار) ، لكن، أشجار ( المسكيت ) المالحة ، ومواسم القحط وجنون الحكايا ، والبيوت التي اتخذت لون الماء العكر ، وأغنيات الفوضى المتطرفة في حزنها وانتشائها ، لا زالت تلهث صوب تلك النافذة البدينةالتي انشقّت ذات يوم في غبار ( الإيتاب ) الراطن ، ودخل منها ( ألبيرت بشّاي ) الإغاثى بكل جهامة الغريب وتزاحماته ، وتكبُّده مشاق السفر ، واستوطن حتى صارت تذكاراته على الحوائط ، وطريقته في اقتناص طيور ( القيردون ) وثرثرته الليلية في المطعم المفخخ ( لعبد الرحمن حليمو ) سمات كلاسيكية يتنفس بها الليل وتمجّدها القبائل وتعمل على ترميمها كلّما أحست بها تتهاوى كان كبيرا في كل شئ في هيكله الذي تغتاظ منه القمصان والبناطيل .... في عينيه اللتين تجلوان الصدأ ، وتمسّدان ظهر البلدة وبطنها وركبتيها... في لسانه الذي يلد المجد في كل يوم عشرين مرّة . وفي ذروة الفوران الذي وُلد عند دخوله ، رضع منه ، وحبا ومشى وتكلّم معاصرا لاستيطانه ، لم يلحظ أحد أن إحدى أذنيه ترتجف ، وأن في وجهه فخاً مبتسما ، وفيما بعد عندما سقطت الجميلة جداً ( تماضر إدريس ) في ذلك الفخ ، وسقط الإغاثى أيضاً ، أقسمت الأقاويل البيئية التي رصدت ما حدث ... أنها كانت تعرف ، وظلت الكريكابية ( سعدية شاشاي ) ترطن بلا توقف مغذية تلك الأقاويل إلى حد التخمة . حين دخل الإغاثى كان الجفاف نجما ، تلألأ في أرصفة الحكايات، ومؤتمرات الأغذية والبدائل وكاد يسحب سلة غذاء العالم من فوق رقعة الوطن كلّه ، كذّب غبار ( الإيتاب ) عندما لوّث البلدة دون أن يغسلها كما كان يفعل في كل عام ، ووضع نهر ( المبروك ) عربوناً طفلاً على الدلتا وانصرف . كانت ثمة أخبار عن حرب وشيكة ، ودوافع إنسانية ، وقروض وفوائد وسلطات مجروحة تقطر من جرحها النزوات والمراسيم .... كانت ثمة أعيادٌ بلا حلوى، وليال بلا مرؤة ، وصباحات بلا قهوة ، ونساء يطرزن حنانا يابسا ومناديل بلون التفاهات ، وبزغت كلمة ( لله يا محسنين ) حتى صارت منهاجاً تجاريا وزراعيا ورعويا وتربويا ، ولهاثا مستدرا للعطف يلوِّن به العشاق رسائلهم العاطفية . كان طبيعيا أن تموت النخلة ، ويتأوه البرسيم ، وتسند الكلاب مؤخراتها على الحوائط حتى تنبح بأمانة وشرف ، كان طبيعيا أن تنقرض السحالي وتفكر اليرقات مليون مرّة قبل أن تتشرنق في البدء ظنّه ( التوجاريون ) شركاً نصبته إحدى الجهات لابتلاع البلدة، روّعتهم عرباته المخبولة وهى تتعرى من الأجولة والصفائح وزيوت الطعام ، وفساتين البنات .روّعتهم جرأته في منح السكارى خامات العرق ، والقتلة شهادات بحسن السير والسلوك ، والعذارى وسادات كُتب عليها ... صباح الخير يا حبيبي . استيقظت من رقدتها ذات الدهشةالتي واكبت بناء ( توجار ) منذ قرنين من الزمان ، اختلفوا في فكّه وتركبيه وإلصاقه بالسلالات ، وفرّوا من يده التي ابتسمت لأتفه تافهٍ في البلدة ، وعندما شاهدوه يأكل ويشرب ويلبس من عرى عرباته ... سال لعاب القبائل لكنهم كتفوه . بغتة تشجّع لعاب صغير ، وتقدم ( إدريس سعيداي ) وكان يومها صبياً لم ينحر الحب عقله، ثقب عرى العربات برهة بنظرته الصبية ثم واجه الغريب
عند ذلك شم الغريب رذاذا من عطر ( التوجاريين ) ، ابتسمت أسنانه المتبّغة حتى خجلت من ثيابها البيئية ، اقترب من الصبي، دغدغ بطنه النامي بأصابع شديدة الحرص ، ورد على سؤاله الراطن بحفنة من حلوى ( اللكوم ) ومغلّف العجوة الوحيد الذي أحضره لم يكن ( إدريس سعيداي ) صبياً من الدرجة التوجارية الأولى بالرغم من كونه ( إدريساوياً ) ، كان واحدا من خمسة بذور أنضجتها ( تمام الإثيوبية ) في بطنها دون هويّات محددة لزارعيها ، كانوا في كل مرة تصرخ فيها إحدى البذور في البلدة يسألونها ... من أين يا تمام ؟ فترد بدموع فقط .... يعاودون ويعاودون ، وتبكى وتبكى . وكانت ( الدايات ) أكثر حكمة ، لم يكن يعصرنها أو يفتتنها كن يحملن وليدها ، يطفن به في البلدة بيتا ... بيتا ، وزقاقا زقاقا ، يعرين خلقته في سكر السكارى ، ونزوات المحتشمين ، وخطوات المعلقة قلوبهم بالمساجد ، حتى إذا التقطن ملمحاً يمكن أن يُدخلن الوليد في دمه ... فعلن . وما أن تشم الأقاويل البيئية طرفا من ذلك حتى تؤخذ التعهدات ، وترطن الأنساب ، ويدخل الوليد إلى الدم المختار رافعا صرخاتهِ، ونتيجة لهذه الحكمة( الداياتية ) والتساهل القبلي في النسب أحيانا ، كانت بذور ( الإثيوبية) بعضها ( إدريساويا) وبعضها ( كريكابيا ) ، و ( دخوليا ) وفيها واحدة لم يعرف لها أصل على الإطلاق كان سعيداي الإدريساوى هو الذي اقتيد دمه عندما صرخ إدريس، فتدروش الرجل غضبا ، إتكأ على بصره الشيخ ، وركبتيه ( الروماتزميتين) وأحضر عدة نماذج من أقاويل بيئية ذات نفوذ ألغته من اشتهاء المشتهين منذ عهد ، أقسم أنه لم يسمع بإثيوبية يتوسدها الرجال في ( توجار ) . قالوا - الطويلة ذات الشامة والزمام ... واللون الأبيض كاللبن . قال ... لا أذكرها . -تلكالتي نسيها ( كنعان العجوز ) عندما نسى كتبه وخرائطه ومنظفات أسنانه . -من كنعان العجوز ؟ -ذلك الجغرافي الذي أقسم على اكتشاف منابع غير معروفة لنهر( المبروك ) وقعد في البلدة تسعين يوما ثم خرج ناسيا حتى صديقته الإثيوبية ، وتاركا قسمه الذي لا زال موجودا . - لا أعرفه . إعتبروه صبيا يستحق أن يسلخ لسانه وتصبغ شيبته ، وتُقتلع أضراس العقل من بين فكيه لتزرع في فكين أكثر حكمة ، فلم يكن ( كنعان العجوز) سرا، فعلى مدى تسعين يوما قضاها في البلدة إرتكب أكثر خمسين من حماقة وخطأ جعلت منه قدوة للخطائين في البلدة، بدءاً من غسل جواربه بحامض الكبريتيك ، وتسلقه لظهور الحمير دون دراية ونومه القيلولة تحت الشجر ( المعقرب) و ( المثعبن ) وتفرسه لأكثر من دقيقتين في وجه ( أُوكير التالابي) وغرسه لزهور الجهنميات في بلدة غبارية ، وانتهاءً بمناداته للعمدة ( إدريس إدريساي ) بالعم ( درّوسة ) دون مراعاة لتقاليد عمرها قرنان من الزمان . وكان خطأه بأن غمز بعينه للكريكابية ( سعدية شاشاي ) وهو تحت تأثير عقار الهلوسة وحده كفيلا بجعله أكبر خطّاءٍ على ظهر الكرة الأرضية وفي الجلسة القبلية التي عقدت لسعيداي الإدريساوى بعد ذلك ، سُمى أبا إدريس ، أُلزم بتغطية الصبي بالأبوة وتغطية نفاس الإثيوبية حتى أربعينها المجيد قال الإغاثى وهو يلقى للبلدة بالصبي المحمّل بالعطر - ما اسمك ؟ - إدريس سعيداي إدريس . في مساء اليوم نفسه كانت عربات أشد خبلا تتعرى من العجوة جاعلة من ( ألبيرت بشاى ) الإغاثى أجمل شرك تشتهى كل التناقضات أن ينصب لها ، دخل في المونولوج الشعبى ، وثقافات المجالس ، وإكرام الضيف ، ورسومات الملل على كراريس التلاميذ ، وصفه شعراء محليون ( بجمل الشيل وعدّال الميل ) واستحى آخرون أن يموت بصمت فيما بعد ، فرصّعوا موته القادم بالبكائيات غنى فرج الإدريساوى .... ( ألبيرت الإغاثى سلام عليك ألبيرت . نحن ضيوف عليك وإنت صاحب البيت. توجار الصفائح فيها كبّت زيت . وجمل الشيل برك واتلملم الشتّيت . معروف في الخلائق ماكا داير صيت . بس بنقول حبابك يا حباب ألبيرت . كم سريت قلوبنا وللحبال شديت . وأديت القبائل حقّها ووفيت . سوولوا الغنى ووقلوهوا في الدوبيت . مرحبتين حبابك يا حباب ألبيرت ) . وبكى أركة الهيلبابى ..... ( إنخرمت عوينات الرجال وانهدّوا . يوم جانا الخبر ألبيرت راحت يدّوا . وين الكان بتاوق للخشوم ينسدّوا . ويعرق في التراب شان العيال يتغدّوا . الليلة الخبر منشرى فايت حدّوا . ومثلك ياصباح الخير قليل يتعدّوا . لو نقدر نرد الجاك كنا نردّوا . لكين الزمن أهواله ما بينصدّوا . ) كان ( طه الأعمش ) شاعر العُمُش الثمانيني قد أقسم قبل أربعين عاما على قتل شيطنة الشعر بعد أن خدشت قصيدته ( في حب عشمانة ) ،التي لعلع بها ذات يوم وهو مصاب بارتجاج في المخ إثر سقوطه من حمار ، حياء ثلاثين عشمانة في البلدة موزّعات على لحم القبائل ، وجعلت تفاصيلهن الراكدة تحت الطِرح والفساتين ، نهباً لتخيلات الكبت والمراهقة ، وخامات غنية لمطابخ الأقاويل البيئية ، مات بعضهن تأزما ، وارتدت أُخريات ثياب الكُره والضرب والطلاق ، وتحركت القبائل مجتمعة لأول مرة لتفسد على قبيلة العمش بكاءها التاريخي وأحلامها المعاصرة، جُلد رجالها في وسط البلدة بقعور السياط ، وحُرمت على أمزجتهم النشوة وريالة ( التمباك ) ، وأُقيمت لنسائها الجريحات زيجات جماعية شحاذة ، بلا مهور ولا كسوة ولا رجال بسندون الظَهر , وترتب على تلك الحادثة أيضا ، أن تشكلت في البلدة عاهة موسمية شرهة ، لم تشبع طيلة أربعين عاما ، هى عاهة ( ضرار الإدريساوى ) عم( الأدارسة )، وخال (الهيلباب )، وزوج إحدى العشمانات ممن متن تأزما كان ( الأعمش ) يبتلع بلغم الشعر كلما أحس به يتقافز على حلقه حتى صارت وجباته البلغمية تنافس الطعام في البلع والهضم والامتصاص ، لكنه عندما استلم ( أدلفان الضغط ) و ( داونيل السكري ) و ( بروفين المفاصل ) و ( ساكوبيس ) الموت والجنازة ، بكت ثمانينه شعرا شيخا مشى على عكازتين من الألم والانفعال متخطيا بالإغاثى عشرات الخُطط والتعصبات ، وهمسات الليالي ، واحتلال المدن والإذاعات ، وصياغة الخطابات على عجل ( عاصرنا الحُكُم لامن فقد معناهو ودقينا الطبول للأزهرى ووزراهو وكل من نطّ في الرأس الغشيم نبراهو مثل ألبيرت أبدا ما أظن نلقاهو الراجل الضكر ضيفنا في توجارنا أدانا البكفينا ويصبِّر جارنا ما قصّر وحات الله وخلب أنظارنا مرحبتين حبابك عشَرة يا ضو دارنا لأول مرة في تاريخ خطورته الطويل الذي امتد قرابة الستين عاما ،مزّق فيها السكون وخاطه ، وأماته وأحياه ، بكى ( أُوكير التالابي ) زعيم قبيلة ( التالاب ) ... بكى بدموع شرارية تساقطت من عينيه الناريتين كأنها زخاتٌ من مطر مجمر ، كان الزعيم الذي تشكره السجون لإمدادها بخامات الإصلاح والتهذيب، والمستشفيات لإسهامه في تدريب الكوادر ، وقيادة أركان الجيش لإرساله خمسين ( تالابيا ) أُسست بهم كتيبة ( العيون الحُمر ) ، ذات الريادة في قمع الفتن ، والحائزة على أفضل أوسمة بلهاء في تاريخ الجندية على الإطلاق ، كان قد اكتشف أن قبيلته بلا شاعر يغنى أو يبكى أو يتلعثم في حضرة الشعراء ، أكتشف أن قبيلته تحيا بلا ضحك ، وتموت بلا دموع ، تفطم صغارها بإرضاعهم الحنظل من ثدي الصحراء ، وتتغزل في الحسن والجمال بطلاء الأظافر بالدم ، وترقيص الخناجر في وجوه الجميلات . كان تراثهم كافرا في نظر التراث ، وسراويلهم وغدة في نظر السراويل ، حتى إبلهم ونعاجهم كانت شديدة البطش بالعشب وتدُر لبنا مخنجرا ، وفي إحدى المرات شرب ضيوف من إحدى القرى المجاورة لبنا استخلص من إبل تالابية ، فظلوا طيلة الليل ينزفون ، همست الأقويل البيئية في أذن الجغرافي ( كنعان العجوز ) عندما بدأت أخطاؤه تتضفر - ضع عينك في منقار ديكٍ ... ولا تضعها في وجه أُوكبر فلم يسمع وفي ذلك اليوم أقسم العجوز وأقسمت البلدة كلها معه أنه عندما دخل ( توجار ) لم تكن في أطرافه أظافر على الإطلاق وفي إحدى السنوات تفلسفت ثلاثة مراهقات ( تالابيات ) كنّ يتعلمن في المدرسة الابتدائية ، لطخن تراث القبيلة بشذرات من الذوق الراقى تعلمنه من مدرِّستهن ( عواطف المجذوب الإدريساوى ) ، قلن لآبائهن ... صباح الخير ، وقبلن أمهاتهن على جباه الأُمومة وابتسمن للزعيم وهو يشخر ، ففتكت بهن شخرته ، قُلِّمت أظافرهن التعليمية ، وزُوِّجت مراهقتهن إلى ثلاثة شراسات أستدعيت على عجل من كتيبة ( العيون الحُمر ) . ولعل ما مُنيت به الكريكابية( سعدية شاشاي ) خلال ست ساعات قضتها أنوثتها المنبوذة رجالياً منفردة بشهوة الزعيم غير المؤرخة( أقاويلياً ) من قبل ، كان من شأنه أن يكبِّر من سن الخوف عند القبائل ، فيقذف به إلى النضج تلك اللحظة عندما بكى الزعيم اجتاحت البلدة موجةٌ من الرقة، أصبح الهواء رقيقا والناس رقيقين ، وكاد ( التالاب ) يعقدون اجتماعا طائشا لاختيار خطير جديد .بغتة لملم الزعيم خطورته القديمة ، شخر بها والتفت إلى تراثه القبلى ، وفي أسرع من هش الذبابة ، نهب التالاب شاعرا رومانسيا من إحدى القبائل الهشة ، ألبسوه قميصا تالابيا وسروالا تالابيا، ونحروا غرامياته القديمة بخنجر تالابي ، وعندما بعثروه في فوران البلدة، كان ترحيبه فتّاكا إرتعدت له إغاثة الغريب ، وأحست عرباته برغم خبلها إنها أهينت ( مرحب بى أبوك وأمك وحبّوباتك وقطاع الطرق النهبوا من عرباتك يا فخر اللصوص أدينا من سرقاتك وضوِّقنا الغنائم الله يلعن ذاتك لم يتمهل التالاب حتى يكمل شاعرهم ( المتلَّب ) حديثا ترحيبه ، إكتفوا بوجبة سريعة أحسوا أن الغريب يجاهد في بلعها، سلخوا عن الشاعر جلده التالابي ، أعادوه إلى قبيلته الهشة عاريا. ثم توغلوا في عُرى العربات ... قال الزعيم ( أُوكير ) وهو ينتشى بجرعة مكثفة من زيت ( كبد الحوت ) - أحضروا عرقى السمك كله ... نريد أن نسكر به الليلة |