|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
فصل من سماء بلون الياقوت
أزمنة للنشر -عمان 1996
دفنوه عند مغيب الشمس ، كانت السماء بلون الياقوت ، الفوضى مخضرة وأنيقة ، تنهش عشرات الأعوام من الحكمة والعظة ، والتأقلم ،وتدعم إحساسا خارقا بغزارة الفقد يدهن اللحى والشوارب .. يندس في العيون السوداء والعسلية ، البريئة والمذنبة معا ،كان الصبر في أدنى معدلاته ، شحيحا ليس كالعادة ، واعيا بخسارة الفقد يمشى القهقرى
كان الجميع حاضرين ، الطيبون وسيئو النية ، الأفذاذ والأوغاد .. الذين شهدوا بحواسهم المطلقة تراكم المحبة ..الذين خاضوها .. الذين نبعوا من بلاد شتى ليصبوا في بحرها الكبير. والذين ولدوا معها ، تصبينوا وشبوا بها ، ارتبطت ثقافتهم بثقافتها ، وعندما وافتها المنية مطعونة بتلك الفوضى الكاسحة المدمرة ، شيعوها إلى مثواها الأخير
في نص الليل دوّر باصك
خلي اليندسّ تحت راسك
تقع أمدرمان
في نص الليل والحر يسلخ
خلي الطاقية معاك تصرخ
والراس زعلان
هوي يا جلابة الدنيا خراب
زي الراكوبة والدراب
والمال سكران
أدوني عصاتي أقوم امشي
لا ماكل زاد لا متعشي
لكن شبعان
أدوني الإبريق والسبحة
أدوا النسوان مترين طرحة
الناس أخوان
قلبي المتوجع ماخفّ
دمع السبلوقة ماجفّ
أنا ما خرمان
وددن.. وددن.. وددن ..وددن
صوته يأتيهم من جذور القمح ،من عذوبة النيل وصبر الصحراء ،من هوجات (النمتي ، وغزوات الجراد ،وتأرجح المواسم ،عميقا حينا ،فائضا حينا ،يابسا حينا ، مشاكسا حينا ، ضاريا حينا ، وعكر المزاج. صوته يأتيهم منهم ، من سرور الغدد واستيائها ، من الأمام والخلف ومن بين قبائل العرق المترحلة في الأجساد . كانوا يتحدثون بصوته ،يبكون بصوته ،ينادي بعضهم بعضا بصوته ،كأنه ارتداهم جميعا ، كأ،ه أراد بموته أن يحيا قرية بأكملها
ما هجيت والليل متضاري
ما خفت من الطلق الناري
ما خشيت دارا ما داري
أنا حران والهبة قصادي
راحوا الأنداد . وين أندادي
سعد الأرباب ز كان أبا القرية وأمها ، أخاها وأختها ، جده وجدتهت وأحفادها ، كان عائلتها بلا شك. وجهه قديم كأنه ورثه عن جده ، عيناه كبيرتان كأنهما ولدتها قبه بعدة أعوام.. طريقته مميزة في النقش على لحم القرية وخياطة جروحها.. غبريقه مرتو ابدا كأنه بحر ، جبته تتراكض كأنها شحنت بمئات الرجال
- أحفروا هنا تجدوا الماء
وجدنا الماء أبونا الشيخ
حكمته تزدري لغة الطب والصيدلة ،وجهود الأشعة والمختبرات ولويس باستير وألكساندر فلمنج
أبويا الشيخ عشمانة تسممت .. أكلت قرعا بائتا
اسقوها ماء عكران .. أرقدوها على جنبها الأيسر ..قولوا بسم الله
أبويا الشيخ عشمانة طابت
أبويا الشيخ حماري انسرق
حمارك سرقه ( ود جرى ) الحقه قبل أن يبيعه
أبويا الشيخ أنا مسافر
أبويا الشيخ أنا جئت من السفر
فطومة بنت الكرد أول من تجرأ على أبوته ،تجاوزت جبته الخضراء ووجهه القديم كأنه مورث ، اختلقت فتى أحلام فذا سقته بعشق متخيل حتى عميت بصيرتها ، كانت مجنونة وعبيطة ، ورطت قلبهال الفقير في الخفقان ، وقيدت أنفاسها الحرة بحبال اللهاث ، أرهقت غددها الدمعية بإلحاهها في الطلب حتى كانت تستدين الدمع من الأغراب لتذرف . عملها كحنّانة للنساء سترها سنينا من قبل ، وكان شهما ومستعدا لسترها سنينا بعد ذلك ، أحرجت عينيها العسليتين عندما سودتهما بالحزن ،أحرجت ( شلوخها ) الخجولة عندما هيجتها بالدمع ، أحرجت مشيتهغا الرزينة عندما كسّرتها بالدلع ، أحرجت كيانها كله عندما أرغمته على العطش ، دسته بوقاحة في زهد زاهد ومشيخة شيخ. توقفت عاداتها الشهرية واليومية ، وأفلت فمها المغطى طيلة هذه السنين غطاءه .. دلق غناء خاسرا لا ربح فيه. كان ( الدنقلاوي ) ، و( ود صالح ) ، و( مسعود ) ، صبيانا في ذلك الوقت ، يصنعون طنابيرهم من أقداح الطلس ، جروحهم جائعة يدربونها على النزيف ، كانت تحضرهم إلى بيتها ، تفطرهم ، وتغديهم ، وتعشيهم ، وتحملهم إلى بيةتهم كسالى مكللين بالحمخوضة ، والتثاؤب ، وغضب الإمعاء ، ثم تعود إلى بيتها ، تستخرج غناءهم ، تجرحه في مكان ، وتخيطه في مكان آخر ، ( تأرببه ) جيدا وتغنيه ، وفي أكثر من مرة كاد عملها الشهم يتخلى عنها ، ارتفع صوته مهددا ، فكانت ترضيه إلى حين
قالت لها ( صفية عثمان ) مغنية القرية الأصيلة في ذلك الوقت ، وصاحبة المزاج العبق ، والرقم القياسي في جرجرة الآذان والعيون
عيب يا فطومة .. أبوي سعد أبوك أيضا .. أبو القرية كلها ..ابحثي عن رجل آخر .. القرية كلها رجال
عددت لها ثمانمائة أعزب متعددي الثقافات والمهن ، وأرتها صورتين شمسيتين لعباس المهم .. التاجر العاصمي الكبير ، كانت تعود لو اقتلعته احداهن من دمها
أغمدت أظافرهغا الحنانة في صوتها المغني الأصيل ، حتى جرح ، ولبثت اسبوعا كاملا تغلفه بالضمادات
قال لها ( الكسيح ود آدم ) اللص الكرمكولي القديم ، بعد أن شكه النداء ، واكتسب صوتا قرويا فضفاضا أهّله للجلوس مزهوا على محبة الأرباب
ما هذا يا بنت الكرد .. هل جننت ؟ .. أنت أول امرأة تفعل ذلك
اشتبك عشقها العبيط بصوته التائب .. ذكرته بخروف سرقه من بيتها ، ونعجة سرقها من بيت جارتها
قال العمدة ( فضل الله ود وناسة ) لجلسائه وهم يحتسون القهوة بالبن العمودي ، والسكر العمودي ، والقرفة والحبهان العموديين أيضا
فطومة اختل عقلها .. والله العظيم اختل عقلها ..يجب أن نبحث لها عن طريقة قبل أن يغضب شيخ الأرباب
لحقه عشقها حتى منصبه .. استفزه أمام جلساء القهوة ، وخطابات الشكر ، وثناء الحكومة المتبسم على الجدار ، كاد يجرده من عموديته ، ونسائه ، وطريقة ارتدائه لعمامة ( الدبلان ) ، وأراض شابة ومنتجة ، اغتصبها بلا زواج ولا مهر .. قال .. أعوذ بالله .. أعوذ بالله .. وسكت
وجاءها خير السيد ود شاطر سائق اللواري السفرية . لم يكن ود شاطر عالقا بالمحبة أبدا .. كان كيانه الصعلوك يتخطاها بوعورة غريبة ،/ لكن سكرة جبارة علقته بالمحبة مسافة أن ركب عربته المزركشة ، لأأوقفها في حلق بنت الكرد ، بصق فيه ، وتملص من المحبة ومضى
كان ( المبرك ود جعفر ود تمتام ) في ذلك الوقت مشغولا بمحو أميته النسائية استعدادا للتحكر في مؤتمر شعبي نسائي يعقد قريبا في الريف .. التحق بكتاتيب الصغيرات ، تعلم ألعابهن ، وأفكارهن ، وحروفهن الهجائية ، كلموه في أحد الأيام همسا حتى لا يزعجوا محو أميته ، قالوا له .. الحق صديقتك بنت الكرد . كانت بنت الكرد تعزه حقا ..وكم من مرة آثرته بخواتم ، وأساور ، وخدمه عملها الشهم بلا مقابل ..هي التي وضعت أنوثته في مسارها الصحيح بعد أن كانت تتخبط بلا هدف ..أنا وبنت الكرد أولاد دفعة .. يقول المبروك مشعلا صوته المعروف بإيقاظ الحصى من تصلده ..هذا الرجل لم تعش فيه محبة الأرباب أكثر من السلام عليكم . وعليكم السلام ..مثله مثل خير السيد ود شاطر ، وأولاد التركي الصعاليك ، وآخرين .. كأنهم حقنوا بعقاقير مضادة لها
قال مقدما صداقته وخبرته وشفقته وتفاعله مع بنات جنسه
فطومة يا أختي .. ابعدي من الشر وغني له.. مالك ومال الأرباب .. هذا زاهد في كل شئ
كانت غيبوبتها الأربابية في ذلك اليوم ، أعتى من غيبوبة الضغط والسكري ، وحمى النفاس ، وملاريا المخ تراءى لها في تلك اللحظة بقميصه الأحمر الشفاف ، وخيول النعومة التي تركض على جلده ، حنانة غغازية من بلاد أخرى ، استهوت نساء القرية بموضات وتقاليع لا يعرفها عملها الشهم ، طاردته في القرية حتى خجلت القرية، واضطر المبروك إلى التحكر في المؤتمر الشعبي النسائي أبكما في آخر القوائم
حتى بامكار حسن ، المحارب القديم ، استأذن رتبته العسكرية عالية المستوى ، وحاورها مدعما تحالفه الاسترتيجي مع المحبة
لماذا أبونا سعد بالذات؟
لأنني أحبه
ولماذا لا تحبين أحدا غيره ؟
الحب هكذا
إذن حبيه في بيتك .. ولا داعي لأن تعرف البلد كلها .. هذا عيب
لا .. أحبه أمام كل الناس .. اذهب عني .. اذهب
ثارت رتبة العميد على كتفيه حتى بدت نجومها حمراء من شدة الغضب ، ذهب إلى بيته ، أحيا صورا تمثله جنديا في غاية الغباء ، يبتسم ، ويحيي ، ويتسلم وشاحا من الدرجة الرابعة ، لم الصور ، أعادها إلى موتها ، أوقد نارا عسكرية اللهب ، وضع عليها إناء محتقنا ببذور السيسبان ، تركه يغلى حتى زرفت البذور دموعها ، صفى العصارة وشربها كلها .. تمدد قليلا على الأرض ثم قام ، ردد أغان وأناشيد غسلت من نظام الجيش ، ثم خلع زيه العسكري ، أرقده بين يديه بأبوة سلطوي ، أضاف إليه عدة نجوم وصقور حتى تبسم الزي عند رتبة الفريق، ارتداه وعاد إليها أوقفها عدة ساعات في طابور عقابي ، ثم لطمها برتبته حتى خرت على الأرض ، سجن عشقها الأربابي في صدرها عدة أيام ، منع عنه الطعام والشراب ، وعندما أطلق سراحه أخيرا .. عاد أشد ضراوة مما كان