|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
مقاطع مختارة من سيرة الوجع
حكايات من السيرة
تصدر قريبا
فقر ومرحوم
كان ( مرحوم ) ترزيا مغمورا للأناقة الأفرنجية ..لم يكن في شهرة ( مامون ) ولا ( الطيب موسى ) ولا فهمي اليوناني ..الذين أمسكوا بأناقة الساحل زمنا ، وقعوا بمقصاتهم على بدل السفاري ، وقمصان ( التترون ) و ( الشيفون ) وبأسمائهم على أغنيات البنات الراقصة التي كانت تمجدهم في الأعراس .. كان محله في أحد أطراف السوق الكبير، ممزقا بين محلات البقالة والأقمشة الرخيصة ..ودكاكين بيع الأسمنت والمسامير، وكان متأنقوه شديدي الفقر ، يزحمونه في الأعياد والمناسبات .. ويفرون في بقية أيام السنة ..لم أكن من زبائن مرحوم أبدا ، ولا رافقت تصاميمه نموي المتأنق في المدينة الساحلية .. وكان وجهه الذي يشبه وجوه أبناء صعيد مصر شديد العصبية والنرفزة .. لدرجة أنه أقصى كثيرا من الزبائن عن محله الفقير . كنت أستغرب من ذلك الوجه ، ومن الاسم أيضا .. أحيل مرحوم إلى عدد من القبائل المعروفة بتعقيد الوجوه والأسماء ، ولا أعثر على قبيلته بينها .
تلك الأيام كنت بحاجة إلى دخل إضافي .. وكانت العيادات التي ينشئها أمثالنا في أطراف المدينة شديدة الإعياء ، لا ترقدنا على رغد العيش أبدا ..لكنها تبقينا واقفين على أقدامنا .. نأكل ، ونشرب ، وربما نبتعد عن سكك المواصلات العامة بعربة نصف عمر.بحثت عن موضع لاسمي ، وشهادتي المتواضعة ، ومولدي الكهربائي الذي اشتريته من أحد العاملين بالخارج ..وانتهى بي البحث إلى حي هامشي لم تدخله لافتة طبية من قبل ..وكان الطريق إليه وعرا يأكل من لحم العربات بلا انقطاع . كان بيتا من الخشب المسكين شيد على عجل ، كانت غرفتاه ضيقتين وصالته التي يفترض أن تؤدي مهام ( الرسيبشن )مملؤة بالرمل والحصى وكثير من قواقع البحر . وكان صاحبه يحمل وجها كوجوه أبناء صعيد مصر .. إنه مرحوم الترزي ..مشيد الأناقة المغمورة في طرف السوق الكبير
باشرت عملي في العيادة ( المرحومية ) ..كأقسى ما تكون المباشرة .. كان المرضى يأتون وحدانا ، وعلى حياء ، يتبعهم جيش من الأقارب والنسوة القلقات ، نزودهم بالفحص والدواء والابتسامة وخلاصات التطمين التي شربناها من أساتذتنا الكبار ، ونخرج في آخر الشهر .. لا لنا ولا علينا.. وكان الترزي قد ناصب عيادتي العداء منذ الأيام الأولى كأنني استأجرت خلية من جسده .. كنت أراه في عيادتي كثيرا ..يحدق في المرضى والمرض ، والوصفات والممرضة التي كانت أرملة في أواخر الخمسين ..أسأله فينفلت خارجا ، واكتشفت أن له دفترا خاصا يشبه دفاتر تجار الريف ،كان يسجل به كل قدم تدخل إلى البيت حتى لو كانت قدما لمتسول..كان أشبه بمحصلي الضرائب الذين عرفتهم أيضا ، لكنه كان أشد قسوة ، ونباهة ، وإصرارا على المكر .. في أحد الأيام فاجأني الترزي مفاجأة غبر سارة.. قال
-من أول الشهر سنرفع الإيجار إلى ثلاثة أضعاف
كانت تلك الثلاثة أضعاف التي ذكرها ، تعني عملا مجانيا .. وربما استدانات عدة حتى نوفي بها.. وضحت له الأمر ، فأخرج دفتره الماكر وقرأ منه سبعمائة اسم زارتنا في ثلاثة أشهر ، وكانت ترافق عشرة أشخاص فقط .. وضحت له الأمر أكثر .. فاغتاظ وجهه وخرج ..منذ تلك اللحظة بدأت الحرب ( المرحومية ) ضد عيادتي الفقيرة .. كنت أجد مولدي الكهربائي بلا أسلاك .. ولافتتي النيون بلا نيون ، وطاولة الكشف التي دعمتها بخشب قوي ، وقد بركت على ركبتيها ، وفي أحد الأيام وجدتهم يستبدلون اسم أبي المنحوت في اللافتة باسم لا يمت إلى البشر بصلة .. وكان لابد أن أخلي ذلك المسرح الفوضوي ، فأخليته.وقلت للترزي موزع الفوضى
- لا عجب إن كانت تصاميمك كلها عرجاء
تلك الأيام كنت أعمل في قسم الجراحة بالمستشفى الساحلي، إنه قسم يلائم طباعي.. لا شكوى غزيرة ، ولا ثرثرة بلا معنى ، ولا عقاقير تراق في الجسد في انتظار مفعول قد لا يجئ أبدا ، كنا نفتح ، ونرتق ، ونزيل ، ونخرج المريض من عندنا شديد الرضا ، وغزير الدعاء..وربما جاد أهله بإفطار دسم لكل الذين شاركوا في إرضائه.. استدعوني في أحد الأيام لإسعاف مريض يبدو من وصف آلامه أنه حالة ( فتاق مختنق ) .. فحضرت على الفور.. وكان الترزي صاحب الأناقة المغمورة في طرف السوق الكبير ، والحرب المرحومية في الحي الهامشي البعيد
أزلت اختناق فتاقه بلا عداء ، واختصصته بعناية كان منبعها الواجب لا أي شئ آخر، وعندما وقف واستند على عافيته ..رأيت وجهه مختلفا ..وجسده مختلفا .. ولسانه الذي وصل في تقيؤه إلى جذور قبيلتي الشايقية ، يخرج رطبا ليهديني عيادتي المرحومية بلا مقابل .. ابتسمت .. فلم أكن بحاجة إليها
وجع قبلي
كان إسماعيل من أبناء قبيلة ( البني عامر ) ، إنها إحدى القبائل التي نبعت في الشرك الفاصل بين الوطن و( إريتريا ) و رطنت في الساحل مبكرا ..سعيا وراء رائحة الميناء الذي ولد منذ عهد بعيد وبدأ يصرخ شادا إلى صراخه كثيرا من الرطانات .. كانت قبيلة وارفة وكثيرة الظلال .. بها جذع وفروع ، وعمد ونظار ومشايخ ..وبالرغم من أنها انخرطت في تمدن المدنية مؤخرا .. إلا أن وجودها في الساحل كان وجودا بارزا ومؤثرا إلى حد ما . كان إسماعيل نحيفا وضئيل الشاربين ويملك واحدا من أكثر الأصوات إزعاجا لأي أذن .. كان صوتا حادا ومثرثرا .. وكثير الأخطاء .. وكان تردده على عيادتي الفقيرة في الحي الهامشي البعيد جزءا من شرك غزير الشباك ، أعده بإتقان وبدأ يجني ثمار ذلك الإعداد
حين رأيت القبلي لأول مرة .. أرعبتني أناقته بشدة .. كان مزورا وغير مألوف ، ويرتدي ثيابا شديدة القرب من ثياب المغتربين .. والتي كانت ولا زالت قدوة لجميع الثياب بلا حصر .. كانت عمامته من ( توتل مموج ) ، وجلبابه يزهو بغسيل النشا .. والخاتم الفضي الذي بهر به إصبعه .. يضارع الخواتم الفنية لترباس ، وعوض والكريم وغيرهما من المغنيين المترفين في خواتمهم وأصواتهم .. كان يجر سبعة عشر ( بني عمراويا ) قال أنهم مرضى مساكين .. يتكفل بعلاجهم.. وكان تكفله في ذلك اليوم مرضيا لدرجة أن ممرضي ( عز الدين ) الذي كان قرويا من أبناء قبيلة ( الدناقلة ) وتمدن منذ عهد ، عاد إلى رطانته من كثرة الابتهاج
بعد ذلك بدأ القبلي يأتي بكثرة .. كان يأتي مريضا ، وزائرا ، ومرافقا ..وتدرج في المجيء حتى أصبح مألوفا للطبيب أكثر من طبه .. يعفى من أجرة الكشف .. يقتحم ساعتي العيادة ،يثرثر.. وينصح ، ويفتح الحوارات ويغلقها .. ويصنع شايا وقهوة ، وربما جلس على طاولة الممرض وبدأ يتلقى النقود ، ويوزع الأرقام .كنت في البداية محتارا من ذلك المقتحم .. أحلته إلى عدد من الجهات درجت على مثل ذلك السلوك ولم أعثر على شئ .. فلم أكن ثريا حتى تتعقبني إدارة الضرائب ، ولا سياسيا حتى يخنق الأمن أنفاسي بإسماعيل ، وكان وجهي الذي اعتززت بجديته لسنوات طويلة قد بدأ يستجيب لضغط المقتحم ، كان يبتسم ويضحك، وربما ثرثر في أحيان كثيرة
في أحد الأيام جاء إسماعيل زائرا سريعا ..كان مكتملا في تلك الأناقة المرعبة .. مكث لأقل من عشر دقائق ابتدأ فيها حوارا ولم يكمله .. وخرج ، وعندما غادرت عيادتي .. وجدت سيارتي لامعة .. مزدانة بالورود ..وتفوح من مخملها القديم رائحة الصندل . ظننتها تحية متهيجة من أحد مرضاي ممن زودتهم بخامات الشفاء واستجابوا ..لكنني اكتشفت أنها استخدمت في ذلك اليوم في نقل عروسين تم زفافهما في ذلك الحي البعيد .وكان مستخدمها ذلك الصديق القبلي. وفي يوم آخر زارني عدة رجال من قبيلة البني عامر .. كانوا يسألون عن نقود مغتربة جاءتهم من بعيد .. وانتهت أمانة في عيادتي الفقيرة ..وكانت أكثر تلك الزيارات إيقافا لشعر الرأس .. تلك التي جاءت من حدود ( إريتريا ) إنها زيارة مكلفة .. كلفت العمدة إدريس ، وإبنته وحاشيته كثيرا من المال والتعب .. كانوا ذاهبين لأداء العمرة ، وقد أعدت لهم الحيل ( الإسماعيلية) .. ضيافة فذة في بيت صديقه الطبيب وسفرا مدفوع الأجر من خزانته عبر بواخر البحر .. وحتى توصية ومستقبلين ، ومودعين
كان القبلي مختفيا في كل تلك المآزق .. لم يأت في أي مأزق منها .. كنا نبذل جهدا جبارا للخروج ..وعندما نخرج ندخل مجددا .. وحتى عندما أردت أضع حدا لكل ذلك..وطالبت بالحماية .. لم يعثر على القبلي أبدا .. بحثوا عنه في كل مدن الساحل وقراه .. ولم يكن موجودا .. وظلت حيله الغامضة تأتي وتذهب
الشاهد
كانت الشهادة في عقود القران .. ولا زالت إحدى سمات التكريم التي تلف بملاحتها المكرمين ..وتضفرهم نجوما في الحفل تقترب في إضاءتها من إضاءة العروسين . كان الشاهد في عرف ذلك اليوم الاستثنائي وجها غير عادي .. وسلوكا غير عادي .. وتوقيع يحترم إلى حد كبير ..ربما كان موظفا ذا وظيفة براقة ، أو تاجرا ذا جاه ( بنكنوتي ) .. أو دعامة سلطوية تكسو الحفل برداء من الهيبة .. وقد عرفت والدي شاهدا كلاسيكيا في ثلثي عقود القران التي حررت في العائلة أثناء حياته ..كان يذهب إلى حفلات الزفاف بتلك الوجاهة ..وينصرف بتلك الوجاهة .. أيضا كان الطبيب العظيم ( توم حامد ) الذي يحظى باحترام أخاذ يمتد من قرية ( أم كدادة) في غرب البلاد وحتى مانشستر ودسلدورف .. والاسكندرية ، واستوكهولم .. توقيعا مألوفا في مناسبات الساحل ..لا تشبع عقود القران إلا به
ذلك اليوم كنت مدوعا للشهادة في أحد عقود القران في البلدة البعيدة ..كانت الدعوة الأولى لمثل تلك الورطات ..لم تكرر أبدا .. لم أكن ذا جاه ( بنكنوتي ) ، ولا سلطة مهيبة .. لكن لمعانا في وظيفتي الإقليمية شد إلي المحتفين وأدرج اسمي في خارطة احتفائهم..أيضا كان أحد قطبي الاحتفال معروفا لدي .. إنها العروس .. إحدى الدايات اللائى أعتز بكفاءتهن في المستشفى الفقير ..و التي ستزف في ذلك اليوم إلى أحد فقراء البلدة..كانوا قد نصبوا خيمة من قماش معتل ..أضاءوا العتمة المستفحلة بفوانيس مكدودة .. وزعوا مرطبات من عصير العرديب وعشاء من فتة اللحم .. كان مدلوقا على امتداد الحصائر في اعتلال الخيمة ..ومن بيت قريب يبدو في العتمة كظل خرافي .. كانت تندلق أصوات المغنيات الريفيات لتعطي اللوحة سماتها المطلوبة .. إنه العرس الكلاسيكي في البلدة .. تسري ألوانه على الغنى والفقر واليسر والعسر .ولا ينفد من شركه أحد .
كانت طاولة الشهادة مميزة إلى حد ما ، فقد سترت بقماش أحمر ..وبدا مبخر فخاري يرقص عطره من حولها .. كانت ثمة كولونيا رخيصة .. وقلم من الحبر الجاف ..ومعممون محليون يروحون ويجيئون .. وبين لجظة وأخرى كانت تصافحني يد ..أو تقرصني همسة ، أو يزحف زاحف إلى مهنتي ويشكو علته غير عابئ بتلك الطقوس البعيدة عن وصفات الدواء ..وكان الشاهد الآخر مهما للغاية .. ولعله الأهم في البلدة كلها والبلاد المجاورة.. إنه الوجيه ( حسن ) صاحب التجارة والأرض .. والعطلات المرفهة في لندن وباريس .. وحين أكمل ( المأذون ) مهمته .. من دعاء واستدعاء .. ومخاطبة وكلاء العرس ، طالب بتوقيعي .. فمنحته له بسخاء
أيام قليلة مضت ..نسيت فيها ذلك الطقس .. والتوقيع الذي منحته .. كنت أرى الداية العروس موظفة عادية تتلقف الطلق .. والصراخ ..والأطفال ..تصحبني في عنابر الولادة وعمليات التفريغ .. والقيصريات ..كان وجهها كحائط ..وحناؤها العرسية تبدو أكثر شحوبا من حناء المتزوجات .. كنت أحس جفافا في صوتها ..واحتراما إجباريا تلفحني به ..ولا أحسه نابعا من قلب أو شعور ..وحين تضحك من موقف أو مفارقة .. كانت ضحكتها تتوقف قبل أن تكتمل ..وفي أحد الأيام عرفت السبب .. وارتعدت حزنا .. قال لي أحد أصدقائي التجار ونحن نحتسي قهوة زنجبيلية في محله
أنت كسرت حظ الداية
قلت كيف ؟
قال … لقد تطلقت بعد يومين من العرس .. وكانت الوحيدة التي تطلق منذ أربعين عاما في البلدة.. يقول الناس أن السبب هو شهادتك في عرسها
الدم الأمني
لم أكن أبدا من عشاق السياسة الحادة ، التي تنبش في معالم مرصوفة سلفا ، ولا تخدش فيها معلما .. لم أعشها شاعرا ، ولا كاتبا ، ولا مواطنا عاديا .. كأولئك العاديين الذين يثرثرون بها في دواخلهم كلما ضاق الحال .. ولعل ابتعادي عن صفحات الرأي التي تبجلها الصحف تبعدها عن أي شخبطة إعلانية ، ونزوحي إلى صفحات الثقافة التي يغيبها الموت من حين لآخر ، أو تأكل ( الكريمات ) وخلاصات ( الشامبو ) ،وسياحة السفر والفنادق من لحمها.. يعد دليلا على ذلك .. منذ كتبت ولا زلت ..بي شغف إلى الناس ، يمدونني بخاماتهم، واستمد تلك الخامات لأبني أو ألون ، أو أصيغ وجعا موازيا ..سيرة الوجع هي سيرة حقيقية,,ولعلها لا تهم أحدا .. أو لعلها تهم البعض ..لكنها كانت ولا زالت طريقي إلى قارئ متعجل لا يبحث عن ( نار للزغاريد ) ، أو سماء لها لون الياقوت .أو ينظر إلى وجهه في تلك ( المرايا الساحلية )
كنت أعمل بقسم التوليد في أحد المستشفيات الساحلية .. إ،ه المستشفى الذي عرفني بالطبيب العظيم توم حامد .. وعالمه المبهر .. لم يكن توم حامد اختصاصيا في امراض النساء فقط ، لكنه كان اختصاصيا في الدين والدنيا ،، والشعر والتاريخ ، والعلوم ، والسيطرة على مذاق المجالس والدردشة .. واحتواء الفقراء .وكل شئ ..كان هرما لا يوجد في ( سقارة ) ، وبرجا لم يمل كميلان ( بيزا ) ..ونيلا لم ينبع من ( فكتوريا )
كنا في ذلك اليوم بصدد إزالة رحم متليف لإحدى المريضات .. كنا نبحث عن دم بديل كجزء من الإحتياطات الكثيرة التي نتبعها في مثل تلك الورطات ..ولم يطل بحثنا كثيرا لأن ثلاثة بوجوه صلبة ،وشوارب معقدة قالوا أنهم من أهل المريضة ، جاءوا ..عرضوا دماءهم بسخاء ، ولم نرد سخاءهم ، أخذناه كله ، واحتفظنا به ، ودخلنا إلى الورطة بلا توتر
كانت واحدة من عمليات توم الفذة ..تولاها بخبرته ..وأدواته ، وقصائده الساخرة ،وذكرياته عن أيام ( توريت ) ..وموسكو .. وحجر الطير .. وخرج الرحم المريض في يده مستسلما دون أن يذرف دمعة من دم ..وبقي ذلك السخاء الدموي الذي أخذناه راكدا لم يساهم بشيء كانت المريضة قد استيقظت ، وابتسمت ، وتحدثت ، وتمشت ، وبدأت في احتساء أقداح الحساء حين جاءني الثلاثة ، كانوا بوجوه أكثر صلابة ، وشوارب أكثر تعقيدا .. نادوني إلى أحد الأركان البعيدة في القسم ، وأخرجوا بطاقاتهم .. قالوا بصوت واحد لابد أنه تدرب لسنوات حتى يبدو في تلك النغمة
نحن من جهاز الأمن .
ظننتهم أخطئوا في إحدى مهماتهم المعقدة ..وتشابه عليهم البقر في مستشفى تمارس فيه السياسة جنبا إلى جنب مع الطب .. قلت بصوت جاهدت ألا يخرج مكسوا بتوتري الداخلي
أنا الطبيب الذي عالج مريضتكم ..وساعد في إزالة رحمها.. رأيتموني عشرات المرات .. وتحدثتم إلي ؟
نعرف ذلك
ما الأمر إذن ؟
وفي واحدة من أغرب فعاليات التبرع بالدم ..لم تحدث في قسمنا من قبل .. أمسك أحد الأمنيين بيدي ، واقترب آخر بيده من جيبه .. بينما مط الثالث حنجرته حتى دخلت إلى أذني قال .. لم تعطوا دمنا للمريضة .. لقد دلت تحرياتنا على ذلك..لذلك يجب إعادته إلى عروقنا ، والآن فورا ..حاولت أن أضحك فلم أستطع ، وأن أوضح لهم أن دمهم لابد سيسري في عروق أخرى قد تحتاجه ويصبح بذلك صدقة منهم ..فلم أستطع أيضا ..وفي اللحظة التي التصق فيها ظهري بسلاح صلب خرج من جيب أحدهم .. ورعونته، ظهر الطبيب العظيم توم حامد كانت المعضلة بالنسبة إإلى خبرته ..لا معضلة على الإطلاق، أخذهم إلى قسم التبرع بالدم بسهولة ، وكان يمازحهم.. ويسرد على مسامعهم قصة إحدى خالاته ..التي أخذوه منها دما ، وأعادوه إليها ..فصغرت عشرين عاما
في اليوم التالي كان الأمنيون الثلاثة .. بلا وجوه .. يرقدون في أحد عنابر الباطنية مصابين بملاريا منهكة
العم تاج
كان العم تاج هو المدير الطبي للمستشفى الساحلي .. واحد من أبناء مدينة ( بربر ) الشمالية الذين انغرسوا في الساحل صبية ، واكتسبت عائلاتهم ذلك الصيت التجاري الذي كان متقنا .. وفسيحا .وذا أياد متصدقة . رجل فيه ملاحة ، ووسامة .. وإسراف في البشاشة، درس الطب في أوروبا ، وعاد بلا أوروبية ، على العكس من كثير من أنداده الذين صاهروا الغرب طلابا ، وعادوا بشهاداتهم ومصاهراتهم أو لم يعودوا
كان العم تاج من أبناء حينا .. عرفناه صغارا .. نشكو من الحمى ووجع الأضراس ، وسيلان الأنوف والآذان ..وعرفناه صبية شياطين نتسلق غبار عربته ، وعلو أكتافه ، وكثيرا من بشاشة العم التي تهتاج في شفتيه .. لم يلقبه أحد بالعم أبدا، لكن كلاسيكية الطبع لقبته ، وحتى حين كان يعمل في قسمه المختص بالأسنان في هدوء ، ويبزغ من حين لآخر في استراحة الأطباء ، ليجرع شايه واقفا ، أو يداعب واحدا من الوجوه المرهقة .. كان يبدو عما حقيقيا .. وحين اختير لإدارة المستشفى الساحلي ونحن أطباء فيه .. قلنا بلا اتفاق .. مرحبا بالعم مديرا لنا
كانت إدارته للمستشفى غريبة للغاية ..إنها إدارة بلا فخامة ، ولا مكتب وثير ، ولا اجتماعات تقوم وتقع .. كان مكتبه في أي ركن ، وفي أي عنبر ، وتحت ظلال الأشجار..وربما داخل عربته ( المازدا ) الفقيرة التي واكبت تدرجه منذ جاء ..يفاجئ المناوبين الليليين مفاجأة صديق، ويرحل دون أن يشبعوا من مفاجأته .. يجيء مبكرا ، ويرحل ببطء ، يدخن سيجارة واحدة في الشهر ، يرتدي ( الجينز ) والقمصان المخططة ، وحذاء من ماركة ( أديداس ) وفي كثير من الأحيان كان بياض رأسه يتلاشى أمام حلكة مفاجئة من صبغة ( البيجون ) ، وبرغم ذلك لم تكن عمومته تنهزم أبدا ، كان تظل وارفة ، ورطبة ،تطغى على الجينز ، والكساء المخطط ، والحلكة المؤقتة ..نراه فنناديه .. يا عم.. ويستجيب مبتسما .. في أحد الأيام زار المستشفى شاب بدا لجميع الزملاء إنه واحد منهم .. كان ابن العم تاج الذي يدرس في أوروبا هو الآخر منتهجا ذلك النهج الذي اختطه أبوه .. ذلك اليوم بدا العم عما أكثر من أي يوم مضى
كانت المستشفى واحدة من الأماكن المزدحمة في المدينة ، كانت تغص بخليط الساحل كله ، عرب وأحباش ، وأفارقة .. وقبائل من الشمال والغرب والجنوب البعيد ..ولعلها كانت بؤرة للترفيه الماكر في مدينة بلا ترفيه .. كان ذلك الاكتظاظ معوقا لأداء الشفاء والرحمة الذي يؤدى داخل ذلك البناء المشتت .. كنا نمر بعنابر المرضى ، فتمر معنا الأسر بنسائها ، وعيالها ، وأطباق أكلها .. ندخل إلي غرف العمليات ، فتدخل خلفنا صراخات ، وبكاءات .. نجلس في العيادات الخارجية ، فتجلس معنا عمالة هاربة من مواقع أعمالها ، وأمراض زائفة ، ويزاحمنا التسول .. ينحشر بين التشخيص والعلاج .. فجأة صرخت إدارة العم تاج..سأوقف كل ذلك
وبالفعل ..ظهر كساء متحضر ليغطي ذلك الجو الغريب .. أعطيت للزيارة أوقات وزعت على ساعات اليوم ، ومنح الخفراء صرامة إدارية لا تسمح بمرور نملة في غير تلك الأوقات .. أصبحنا نمر في العنابر بلا فوضى ولا زحام ، ولا أسئلة متفلسفة يحفظها مرافقون للمرضى باللغة الإنجليزية ، ليلقونها في وجه الطبيب إذا مر ..نجلس في عيادات الطوارئ ، فلا يدخل إلا ممغوص أو متأزم ، أو مطعون في القلب .. قلنا .. شكرا يا تاج .. شكرا يا عم
في أحد الأيام جاء حماد بائع عصير الليمون في أحد الأكشاك الملاصقة للسينما منذ عهد بعيد .. جاء زائرا لأحد المرضى في غير وقت الزيارة .. فأجهضت زيارته ..جاء في وقت آخر كان أيضا غير وقت الزيارة ، فأجهضت زيارته ..في المرة الثالثة جاء في وقت الزيارة ، لم يكن زائرا حقيقيا في هذه المرة ، كان متعمدا ، ومصرا .. بحث عن العم تاج حتى وجده ..أغمد في صدره ستة وثلاثين طعنة من ذات مديته التي كان يقطع بها الليمون قبل عصره .
الدكتور
كان يونس تلميذا ثانويا حين التقيته ..ولد ممتلئ الجسم ، يكمن في قلبه عشق للطب والأطباء فاق كل عشق آخر ..حتى تحول في النهاية إلى ( بيلوغرافيا ) حية تحمل في عروقها سيرا ذاتية لما يزيد على عشرة آلاف طبيب .. كانوا أصدقاءه المقربين ، انتقاهم من عدة مستشفيات عاصمية وإقليمية زارها مجبرا بالمرض أو متعمدا بعشقه الخاص .. وبحث عنهم في كتب الجامعات والدوريات المترجمة ، والحوارات التي يجرونها من حين لآخر في الصحف والإذاعة ولد ممتلئ الجسم يسكن في حي السكة الحديد .. في واحد من بيوت الطبقة الفقيرة .. يمضى النهار دارسا في صفه الثانوي ، والمساء متسكعا في وسط المدينة ، يعرف كل عيادة أنشئت ، وكل عيادة أغلقت ، وكل طبب تخرج ، أو تزوج أو مات ..وحين يأتي الليل يستدعيهم كلهم .. يساعد حالما في عمليات أجريت ، ومحفات حملت ، وأنات رتقت بهارة أصدقائه الطبيين . ويصحو في الصباح ولا زالت أحلامه تقطر ، تشوش تحصيله في الحصص المبكرة
التقيت بيونس في واحد من عنابر الباطنية ، كان ملازما شقيا لإحدى شقيقاته التي أرقدتها حمى ( التايفويد ) في ذلك العنبر ..كان يتلصص على المحاليل ، ووصفات الدواء،وأخطاء الممرضات، ويستاء من رائحة المطهر الشرسة ، وفي كثير من الأحيان كان ينهب أعراض الأدوية الجانبية من علب الدواء ، يتقيأها في وجوهنا ، وربما أعطانا أمثلة منها في شحوب شقيقته ، وانعدام شهيتها ، وصداعها الغزير ، وحين أردت أن أسميه ( الدكتور )، ضحك مستخفا .. فقد كان يحمل ذلك اللقب بالفعل .. يحمله في صفه الثانوي ، وبيوت الطبقة الفقيرة في حي السكة الحديد ، وفي عنبرنا النسائي الذي يلازم فيه شقيقته أيضا ..كنت استغرب من ذلك النبش الغريب لتلميذ ثانوي ، ولم أكن أجد في المهنة الوعرة التي نمتهنها أي بريق يغري بالتهام سيرنا الذاتية .. لم نكن ( محمد وردي ) ، ولا ( الكابلي ) ، ولا عبد الحليم ، ولا ( ديانا روس ) ، لنرتع في أحلام صبية
ذهبت شقيقة الدكتور من عنبرنا معافاة من التيفويد ..لكن الدكتور لم يذهب ، كان يوجد في عنابر أخرى يقطنها أقارب وجيران ، ومعارف .. يوجد في جلسات المساء أمام سكن الأطباء ، وفي جمعية أصدقاء المرضى التي أنشأها أرستقراطيون ساحليون ، وقدمت أشياء معنوية في زمان ما .. ولد ممتلئ الجسم يحكي عن البروفيسور داود ، وبشير أرباب ، وأحمد البنهاوي ، وخيري السمرة ، وتجبير العظام الهندي ، وطب العيون في أسبانيا ..وتلك المصحة السويسرية التي أنشأها جراح تركي، ولم نكن نعرف عنها شيئا ..وحين ترتبك المستشفى بحادث طريق ، أو جروح نافذة ، أو هستيريا جماعية لأحد الأمراض ، كان يبدو في وسط كل ذلك دكتورا أصيلا .يرتبك ويتجهم ، ويعدو ، وربما صرخ نفس الصرخات التي كنا نصرخها أمام تباطوء المساعدين
في أحد الأيام وجدت الدكتور في أحد عنابر الجراحة ، لم يكن زائرا ، ولا مرافقا،ولا صديقا للمرضى ، ولا عاشقا منحشرا في كارثة محلية ، كان ملقى على أحد الأسرة المتسخة ، وقد اختفى جسده تحت لحاف داكن ،والتفت حول رأسه خرقة ممزقة ، كان يبدو أنها تضغط على الرأس لإيقاف انفجار ما .. اقتربت منه ، إنه الدكتور يونس ، ولد ممتلئ الجسم يسكنه صراع ما ، وتبدو دمعات صبية تطل برأسها من عينيه العاشقتين .. كانت أسرته مبثوثة حول صراعه ، وأخته التي لازم شحوبها في وقت ما ، الآن تخطو بمنديل نحو عينيه ، وتحكم ضغط الملاءة حول الرأس ..مددت يدي إلى ملفه المعلق حول الصراع .. وقرأته .. وارتعبت ، كان مصابا بورم في المخ .. وكان يحتضر
حين دفنا الدكتور يونس .. دفناه كزميل عزيز ، تعطلت كل الخدمات في المستشفى الساحلي وبقيت خدمات الطوارئ وحدها ، كنت وأنا أسير خلفه ، أحس بوجود تلك ( البيلوغرافيا ) ، وأسمع بكاء طبيبا لعشرة آلاف طبيب لمهم من مستشفيات عديدة ، ودوريات مترجمة ، وحوارت في الصحف والإذاعة
شاعر ساحلي
أربعة عشر عاما مرت على قصيدة ( دموع عم أحمد ) ولا زلت أذكرها .. وبرغم ذلك الهجر المتعمد ، وتلك الجفوة التي حدثت بين كتابتي ، وكتابة الشعر ،منذ صادقت الرواية ، إلا أن تلك القصيدة لا زالت تلتف حولي ، تطل من شرخ النسيان بين حين وآخر ، لتذكرني بواحد من أكثر الذين عرفتهم إساءة لاستخدام تلك السمعة التي عرف بها السودانيون .. سمعة كتابة الشعر وقراءته ، وترديده وتسلق هويته.. إنها القصيدة التي ساهمت في نفخ شاعر ساحلي ، وإدراجه حاضرا في الأمسيات ، وزوجا قرير العين فيما بعد .
كنا عشرة شعراء من أبناء المدينة الساحلية .. نادونا للمساهمة في برنامج ( نداء السودان ) الذي يبث محليا ،بحضور فقير ، وقصائد صارخة ، وأغنيات تخترع المجد وتعتدي على كل الأذواق ، تطردها من السماع .. رصونا أمام كاميرا ، وديكور ، ومحافظين..وسياسيين كانوا يبعثرون النظر في القاعة ..ربما لقياس اتساعها ، واستخدامها في دعايات انتخابية لابد ستحدث في المستقبل القريب .. وابتدأت الأمسية
عم أحمد يبكي .. يصرخ ..
يبحث عن دمع معتقل ..
عم أحمد سلّم عافية الأعمام .. ومات ..
انتهت الأمسية ، جاء المحافظون شدوا على يد الشعر ، سلموها شهادات تقدير وابتسامات، وذهبوا ، جاء السياسيون ،خطبوا قليلا ، انتقوا من دعامات لأحزابهم التي سوف تنهض من جديد بع ستة عشر عاما كسيحة، ومضوا ، جاء متشنجون ، اشتكوا من عصبية القولون ، وحموضة المعدة،وسألوا عن فوائد ( الليبراكس ) ، وذهبوا ، وجاء ( فتحي ) الشاعر أيضا..لم يشتك من شيء ،ولا بدا حامضا أو متشنجا .. لكنه لم يذهب أبدا .انتقاني من كل تلك الأصوات الصارخة في الأمسية ،هنأني بسوء نية،وسلمني دفترا بعرض شاشة ، كان يحوى قلبه وهيامه ، وقصائد مترنحة استخدمت كل سمعتنا القرائية ، والنظمية والوزنية للشعر ، ولم تستقم أبدا
كانت الأيام اللاحقة عذابا لا يطاق .. طاردني الشاعر مطاردة محترف .. كان يدخل بيتي ، وصداقاتي ، وإجازتي الصيفية ، يدخل الغداء المبكر ، والمتأخر ، يدخل العشاء ، وجلسات الترف التي نجلسها في فندق ( بالاس ) .. وجدته في عربة الأسرة ، وحافلات انقل، وباصات ( الثورة ) ، و( سلاسلاب ) ، وحتى في تذكرة العودة إلى الدراسة وعنوان الجامعة.. كان يريد دفتره المسيء لاستخدام الشعر ، دفترا آخر ، يريده مثل صراخ ( عم أحمد) ، كثيفا ومبكيا حتى ينادي به محبوبة غافية في الهجر لا تستيقظ … أخبرته باستحالة بث الروح في حروف ميتة ، فلم يقتنع ، نصحته بمؤاخاة البحر ،واليابسة، والتحدث إلى الطيور، والزهر ، والفراشات ،ونكش مكابدات ( ابن الملوح) التي يمكن أن تشد أي هاجرة من شعرها ، فلم يقتنع ، وكان لابد من ليالي عنيفة السهر حتى يخرج الشاعر من دمي ، وعيوني ،و إجازتي الصيفية
أمسكت بالقصائد من سوء تغذيتها .. غذيتها بعسل نحلي اخترعته حتى سمنت ، ومن أثوابها العتيقة ، كسوتها بأزياء براقة كأزياء ( فيرساتشي ) حتى برقت ، ومن هيامها الذي كان باردا ثقيل الدم ، ملأتها بهيام أخف وطأة ..تحولت عينا العاشق من جمرتين تلسعان ، إلى وردتين تعبقان ، تحول قلبه من كهف أجرد تعشش فيه الوطاويط ، إلى متجر للعطر يمنح دون حدود . وتحول الحزام الذي كان مفترضا أن يجلد به المحبوبة إذا استمرت في ذلك الهجر ، إلأى طوق للنجاة يرميه لها متى ما غرقت .. وعندما رقصت أول قصيدة مجددة في أول حفل راقص .. وبصوت من أصوات الساحل المبهجة ، جاءني الشاعر .. كان متأنقا ، ومنفوخا ، وبحوزته عشرات الورود التي اقتطفها ..من عشرات الحدائق ..
لما نغيب سنين عنّك بتبقى أيامنا ما أيام .
يضخ قلب الشجن دمعة.وتزغرد في العروق آلام .
لما نغيب سنين عنك بتبقى الجمرة حراقة .
تموت لهفة عيون الليل ، وترحل كلمة مشتاقة .
كان الشاعر ..يردد تلك المقاطع أمامي دون أي وخز من ضمير ، رددها بكيانه ، وبروحه،ولياقته العالية ، وطالب بمقاطع أخرى محسنة النسب حتى يستمر في الزهو ..
قصيدة أخرى ، في حفل آخر ، وبصوت مقتدر أكثر ..والشاعر ينمو ، حتى استقر في إحدى صفحات المجلات الباحثة عن عيون الغناء أينما نظرت ..كان ثمة دفتر آخر .. يضخ روحي .. بصوته الذي تدرب على هضم تلك الروح ، وكانت ثمة نظرة أخرى ، أغدقتها عليه المحبوبة ، وهي ترى صورتها المهزوزة سابقا باهتزاز القصائد ، وقد رسخت ..
حين انتهت إجازتي الصيفية ، وأوشكت على السفر ، كان الشاعر كبيرا ..كبيرا في عيون المدينة ، وعيون وسائل الإعلام ، وكبيرا في عيني حبيبة تزهو ، كان زوجا سعيدا للغاية ، ومطاردا من قبل المغنيين .. يريدون نزيفه .
وجوه وورم الإبل
كانت الوجوه التي تلفت أنظار الغرباء في البلدة البعيدة شحيحة للغاية ، كأن ستارا غير مرئي يحجب النظر عن الالتفات ،أو الالتفات عن النظر .. كانت السمات متقاربة ، مضاعفات الخليط القبائلي تبدو جلية ، والدم القبلي الخالص يبدو جليا أيضا ، وكان وجه الفقر هو الوجه الأكثر رسوخا ..ولمعان.. يستند على دعامات قوية ، ويحمل الملامح داخله بثقة نادرة. حين يأتي الغرباء يتلفتون ، لعلهم يبحثون عن دفء ، أو يفرون من فزع ، أو ينشئون علاقات حميمة بالبيئة تبقيهم جيدي الهضم ، وبنفس القدر كانت البلدة تتلفت .. إنه السلوك العادي ..الذي يحيل الغرباء إلى مواد مشعة ، وشديدة التعقيد .. تسري مكوناتها في الهمس ، والصراخ ، والفضول الذي لا ينتهي إلا حين يحمل أولئك الغرباء دمهم ويرحلون
كان وجه ( تماضر ) الموظفة في مؤسسة الزراعة .. لافتا للنظر بصورة مؤسفة .. إنه الوجه الحضاري الراقي في وسط بيئة الرطانة .ولعله الوجه الذي جر العديد من الغرباء إلى عشق ، وبكاء ،وخطوبات ، ومشاريع زواج متهورة وبعيدة عن الوعي ، انتهت إلى لا شيء … كانت الحضارية متصارعا عليها من قبل ثمانين خاطب محلي ..يحملون في دمهم مدى ، وعكاكيز .
كان وجه العمدة ( أو هاج دريري ) عمدة قبيلة ( الأريقا ) المحلية ، لافتا للنظر أيضا .. إنه الوجه القاسي ، والمشدود الأعصاب والمتفه لكل شيء ،والمنتصر على بيئة الجوع ، والناز دهنا وعرقا .. وهو الوجه الروائي المفضل لدي.. أستطيع أن أكتبه في عدة فصول كتابية دون أن أنسى ملمحا فيه ..
كان وجه ( سليمان ) الممرض لافتا للنظر أيضا .. وجه فيه بكاء .. ودم ..وعبارة غير مرئية .. عبارة تكبلك كمسؤول ، وتقول صراحة .. تغاضى عن أخطائي ، ولا تعاقبني .. وقد أخطأ ذلك الوجه بالفعل عشرات المرات .. وشفعت له تلك العبارة الغير مرئية
لكن ( أحمد ورم الإبل ) كان هو الأشد لفتا للنظر لدرجة الدهشة ، وتوتر عضلات الرقبة كلها ملفتا كوجه ، وجسد ، وحكايات بلا حصر
حين رأيت ( ورم الإبل ) لأول مرة ، ظننت أن جسده الممتلئ لدرجة الفيضان المدمر ، هو الذي قيده إلى ذلك الاسم المهول ، لكنني اكتشفت بعد ذلك .. أن الاسم هو الأصل في تلك الطبعة النادرة، وإنما جاء ذلك الجسد المهول مؤخرا ، ليؤكد على الاسم ، ويزيده بريقا.. كان ضخما لدرجة أ، جسده كان بلا خطط ، ولا مفصلات ، ولا يفرق أي تشريح مهما برع بين يديه ، وقدميه ، ولسانه ، وإصبع رجله الكبير .. كان أضخم من قبيلة، ويستهلك وقتا ، وحذاء ،واتكاءات ، وقومات وقعدات ، وعرق غير قابل للوزن ، كلما مشى في البلدة .. ولعله ابتكر حيلة مضنية للبقاء موظفا مدنيا ..يعمل في مجال الزراعة،وربا أسريا يعود إلى بيته بمرتب في آخر الشهر .. كان يؤدي وظيفته ، وهو راقد على (برش ) من سعف الدوم ، في حوش المؤسسة الزراعية .. يكتب ، ويقرأ ، ويوقع ، ويشرب القهوة والشاي أيضا ..
قال الخفير الواقف على باب مكتبي بعد عدة أيام من وصولي للبلدة ..ورم الإبل في الخارج يريد مقابلتك .. طلبت منه أن يدخله على الفور .. كان اسما شديد الخصوبة ..ذكرني بأسماء محاربين قدامى، ومناضلين وطنيين ، لكن الخفير الريفي بدا مستغربا .. وتأملني كأنه يتأمل مختلا ..قال ورم الإبل لا يدخل سوى من الباب الرئيسي فقط ..ألا تعرفه ؟
كان الخفير على حق .. فحين خرجت من مكتبي تعثرت بواحد مسكين ثارت غدده الصماء ثورة عارمة ، حتى لم تترك له مجالا لمد يده بالتحية دون أن تلهث تلك اليد ، أخفيت دهشتي، وسألته عن مرضه ،دون أن أضع في ذهني مرضا معينا .. فقال .. لاشيء ..إنها قصة عادية أرويها لكل طبيب يأتي إلى هنا .. وقد سافرت بها ، ورويتها .. لأطباء المدن كلهم ، وأطباء العاصمة كلهم ، جلست بها في عنابر بلا أبواب ، ومحاضرات في الجامعة ، وملأت صورتي أبحاث عديدة .. لا شئ ..لا شئ أبدا
ثم انصرف متخطيا المسافة بين مكتبي وباب المستشفى الرئيسي في ساعة كاملة ..
ذلك اليوم .. ظل الرجل مقيلا في ذاكرتي ، وممسيا فيها ، وبات معها إلى الصباح التالي .. شدتني عيناه اللتان كانتا بلا وجود ، ولسانه الذي ركض إلى حد اللهاث حين حدثني ، أشفقت على قلبه من عمل مضاعف آلاف المرات .. وعلى رئتيه ..من شهيق وزفير غالي الثمن .فكرت في ( ريجيم ) وفي علاج ، ووجدت امتلائي الشخصي نحافة مروعة ..بحثت عنه بالسؤال حتى وجدته على ( برشه ) المكتب في حوش المؤسسة الزراعية ، لم أكن طبيبا أبدا .. كنت متعاطفا أصيلا .. يبحث عن وقود لتعاطفه ..
منذ ذلك اليوم ، أصبح ( ورم الإبل ) صديقي ..حدثني عن غذائه المكون من الماء والطماطم، والبصل في أفضل حالاته .. حدثني عن البلدة تاريخا ، وجغرافيا ، عن القبور والبيوت ، وقطن الدلتا ، وحتى عن المنفيين الذين بركوا في البلدة في أزمان بعيدة ، وتركوا ذرية من بعدهم .. كان يغني غناء متقطعا ثقيل الوطأة ، يرطن ، ويروي النكات ،و ينسخ لي القصائد بخط مبهج ، وراق لم أر مثله أبدا من قبل ، وهو في ذات رقدته المكتبية ، وحين أردت السفر واضعا حدا لغرابتي في البلدة البعيدة .. قال ( ورم الإبل وهو يودعني .. إذا وجدت علاجا لحالتي ..أرسله فورا ..
ثم أضاف … إنه نفس الكلام الذي قلته لأطباء أتوا قبلك .. منذ عشرين عاما .وسأقوله لأطباء يأتون بعدك .
المتمرد
كان ( عبد الله جوكو ) رقيبا أولا في كتيبة حراس الحدود اليابسين.. التي ترابط بالقرب من البلدة البعيدة ..راكدة في أزيائها ، وأسلحتها ، وتحايا ضباطها ، وغازية للبلدة في أوقات العصاري والمغربيات ، وأوائل الليل ..تعبث بالسوق ، والأفراح ، وعادات البلدة المتأصلة . كان رقيبا مميزا عن بقية الرقباء .. من أبناء الغرب الذين سكنوا الشرق بحكم الوظائف ، له سماتهم ، ومشيتهم ، وحديثهم الراطن أفريقيا ..وتوعك أعصابهم في أوقات توعك الأعصاب، وكانت وظيفته النادرة في ذلك المكان ، قد أضافت إلى شحمه شحما آخر ، وإلى رطانته رطانة أخرى ، وإلى زيه العسكري ، رتبا خيالية جعلته لواء ، وفريقا من صنع نفسه .
لم تكن تربطني بالمدجج أي رابطة مهمة ، كان مريضا في أحيان قليلة ، وزائرا في أحيان أقل، وعابرا عاديا بالحياة اليومية لتواجدي في البلدة ، كنت استغرب من انتفاخه السلوكي ، وحديثه عن الحرب التي لا تبدو آثارها عليه ، ورفعه لتحية غاية في البرود واللامبالاة لضباط وحدته وهم يعبرون أمام رتبته، واستنتجت أن المدجج لابد مكلفا بمهام أخرى ..لا تمت لحراسة الحدود بصلة
كان مسرح التمرد بيتا ريفيا من تلك البيوت التي تلم الأسرار دون أن تقوى على كتمانها .. استدعيت لرؤية مريض مهتاج .. اهتاج فجأة ، وآذى الركود الريفي بدءا من ركود عياله ، وحتى ركود السلطة المحلية ، كان موظفا عاديا .. ثم ضاعت أعصابه فجأة.. وجدت البلدة كلها هناك .. حدث غير عادي .. وفضول غير عادي ، وألسنة تشخص ، وتداوي ، وحبال للربط ، وفتاوى ، وحتى حراس الحدود اليابسين ، نفضوا غبار مواقعهم وانتظموا في الحدث يعبثون به .. كان عبد الله جوكو هناك ..رقيبا أولا في غير موقعه ..مكلفا بحراسة غير محروسة ..وراطنا بسفة غزيرة من التمباك .. ومفتيا في الطب النفسي بثقة أوردت أسماء العديد من الحالات المشابهة وأسماء الكثير من العقاقير .
أمره أحد قادته بالعودة إلى موقعه الخالي .. فأبى بشدة ..
أمره القائد بأداء التحية العسكرية فأبى بشدة ..
هدده بعبارات بدت عند العسكريين عبارات قد تهلك .. فما التفت إليها ..
فجأة صاح واحدة من الصيحات الكبيرة .. خفض من رتبة القائد حتى جعله ولدا ، وحمارا، وناقص العقل .وألصق بتواجده الذي لم يتعد شهرا واحدا ، العديد من الشائعات التي كانت تتناقلها البلدة في عهود غابرة . كنت مندهشا أشد الاندهاش .. وكنت أعرف أن الصرامة العسكرية لا تخرق هكذا ، وأمام مدنيين مساكين من أمثالي ، وإلا لما قامت الحرب ، ولما مات الجنود ، ولا احتلت الإذاعات في الفجر
أخذوا المتمرد إلى الوحدة العسكرية مسورا بالجنازير ، كان يشتم حتى والحديد يعض جسده، وأيادي أخرى عسكرية خشنة تلتف حول لسانه .. وضعوه في الحبس الانفرادي تمهيدا لإرساله للمدينة حيث لابد من عزله ، وسجنه ، وإيقاده عبرة لغيره
في المحاكمة التي جرت في المدينة ، كنت شاهدا مهما ، لم أكن وحيدا حيث كانت البلدة كلها ترى وتسمع ، لكن موقعي كمفتش طبي جعل لتلك الشهادة طعما مسؤولا .. يحتاجه القائد المتمرد على قيادته ، وتحتاجه البلدة كلها للخلاص من عبد الله جوكو ، أحد الذين بطشوا بالتقاليد لسنين طويلة ..حكيت باستفاضة ..ورسمت للقضاة الخشنين مشاهد التمرد بكل تفاصيلها ..وخرجت دون أنتظر النطق بالحكم ، كنت متأكدا أن جوكو لن يعود إلى البلدة أبدا
انغرست في السفر عائدا إلى البلدة ..فكرت في مرضى تركتهم ، وأصدقاء صادقتهم وحوامل في الشهور الأخيرة.... هبطت في البلدة بعد ساعات مضنية من عواء السفر .. وكانت المفاجأة أن جوكو كان في استقبالي .. كان مبتسما ، وضاحكا ، بنفس رتبته القديمة ، ورطانة الشحم في سلوكه ، وكان مسدسه المدلى من الخصر أكثر لفتا للنظر .. تراجعت خطوتين مذعورتين ، لكن المتمرد داهمني ، احتضنني بقوة، وقبل رأسي ، ودس في جيبي قلما من ماركة ( باركر ) ، وأحاط معصمي بساعة ( سايكو ) .. قال .. شكرا .. شكرا جزيلا.. لقد كانت شهادتك في مكانها .. لقد وضحت قوتي وصلابتي أمام الجميع.وسأنال ترقية قريبا ..
أمير مدثر
اليوم فقط .. وصلتني تحية بحرارة التوابل ، قادمة من منابع سيرة الوجع .. إنها من ( أمير مدثر ) الذي وصفته التحية بأنه صبي ابتدائي كثيف الشعر ، يهوى القراءة وكرة القدم ، ويوفر من مصروفه اليومي كثيرا من الجنيهات .. حتى يحتفي بعودتي حين أعود .
توغلت في التحية كثيرا .. واستدعيت إلى الذاكرة التي لا تزال على طزاجتها عددا من حاملي اسمي تركتهم رضعا أو يافعين .. كان ( أمير مدثر ) غير متوفر في الذاكرة أبدا ..أمضيت ساعلة كاملة في الاستدعاء ..وحين عثرت عليه في النهاية .. ابتسمت بزهو .. فقد كان صاحب التحية الحارة بحرارة التوابل .. هو آخر المواليد الذين ساهمت في إخراجهم في المستشفى الساحلي
كان صباحا رمضانيا صارم الحرارة .. فيه رطوبة ، وعطش ، وكسل دماغي ..إنه ( يونيو ) كلاسيكي في شرق السودان حيث يبدأ جمر الصيف ، ولا ينطفئ حتى أكتوبر .. وكنت على سفر ، لم تبق سوى ساعتين فقط ..وأغادر تلك المغادرة التي سكبت في مجرى حياتي دما جديدا طغى على القديم كله .. سلمت عدتي .. ومهام وظيفتي .. وأغلقت كثيرا من النداءات التي حاولت استبقائي .. كان أعظم تلك النداءات قد صدر من الطبيب العظيم ( توم حامد ) ..صدر في شكل نرفزة وتهيج .. ثم رجاء واستعطاف ..ولكنني لم أبق .. جئت في ذلك اليوم مودعا .. فقد عملت في ذلك المستشفى سنوات طويلة ..تعلمت فيها الصبر ..ومؤاخاة الأخوة واحتلبت من دعاءات مرضاي وأمنياتهم ما يملأ عشرات النفوس بالسلوى .. دخلت إلى قسم التوليد دخول زائر عادي ..وعجل ..لم التفت إلى نزيف نازف، أو صرخة متأوهة ، أو حمى دماغية مغيبة .. كنت أرتدي ثياب السفر ، أضع عطر السفر ، وأفكر تفكير السفر .. ثم صرخت امرأة ..
كانت إحدى الولادات المتعثرة .. قررت لها عملية قيصرية عاجلة ، وكانت تساق في ذلك الوقت إلى مصب القرار .. حيث قدر غامض ينتظر .. صرخت ليس من وجع ولكن من رجاء
هذا هو الطبيب الذي سيجري لي العملية ..
كررتها بتشنج ، ولهفة ، وإمساك بثياب سفري المعطرة ..ثم زحف على الأرض .. اعتذرت بإرهاق المسافرين الذين أضنتهم أحلام السفر، فلم يجد أي اعتذار .. أشرت لها إلى أطباء أكفأ مني ..علموني ..فتعلمت وما بلغت ربع كفاءتهم .. فلم تجد أي إشارة.. كان تصميما أخرق مجنونا .. ولم يكن ثمة مفر .
سلفني الزملاء رداء ضيقا ارتديته فوق جسدي الممتلئ ، وأعانني ألأهل المريضة بابتسامات ودعاءات خيالية ، ودخلت .
كان طفلا جميلا ذلك الذي صرخ ولم يبق على موعد الإقلاع سوى نصف ساعة فقط .. سلمته للحياة على عجل ، وخرجت ناسيا حتى أن أودع أحدا ..لم أحضر تسميته ، وما كنت أعرف حتى إلى مصير صار . وحين جاءتني تلك التحية الحارة بحرارة التوابل .. تذكرت
شكرا أمير مدثر .. كنت مثلك هاويا للقراءة حتى استحالت إلى مرض .. لكنني لم أعشق الكرة أبدا
شكرا أمير مدثر .. كأنني ، وكلأأنك احتفيت بعودتي .
فلسطين والجيرة
كان ( فلسطين ) اسماغريباً ، ورجلاً غريباً ، ويكاد يكون الرجل الوحيد في المدينة وربما في الوطن كله الذي حمل تعاطفا لتلك الدولة المقهورة ظل لاصقا على شهادة ميلاده لا يغيره أي تفاوض أو تنازل ، أو زخم انتفاضي. وطوال جيرته معنا التي امتدت طوال ثلاثين عاماً ، كان ذلك الاسم يشكل إرهاقا دائما للامساك بمغزاه ، ولم نمسك به ، واكتشفنا أن أباء لنا سبقونا في ذلك الإرهاق ، ولم يمسكوا به أيضاً، وظل ( فلسطين) جارا مفعما بالجيرة ، تخالطه المناسبات بحلوها ومرها وهي حائرة . يكشر ( عرفات ) وصحبه ، ويبتسمون ، وهو ممسك بذلك التعاطف .
كان قبطياً من سلالة الأقباط الذين استوردتهم مهارتهم و كفاءة عقولهم من صعيد مصر في أزمنة بعيدة ربما في عهد الحكم الثنائي لا أدري بالتحديد ، فعملوا محاسبين وجباة للضرائب ، وتجارا شديدي النشاط لا تقهر نشاطهم ملاريا ، ولا تفتك به نزلة معوية ، كانوا يمسكون بتجارة القماش ، فتبدو الأجساد المحلية مكسوة من تجارتهم بالكامل ، ويمسكون بالبقالة و ( السوبر ماركت ) ، فلا ينجو أحد من ( طحينتهم ) ، و ( جبنتهم المضفَّرة)، ومعلباتهم التي تدهش التذوق .وظهرت لهم فيما بعد أجيال شديدة اللسعة أمسكت بالدواء والصيدليات وعيادات الأسنان،صعدت إلى القمة على انحناء ( البوليتاريا ) ولبست الثوب والعمامة ، وتعلمت أن تحلف بالطلاق ، وتسف السعوط ، وترطن حتى برطانات القبائل إذا اقتضت الظروف ذلك . وقد كان فلسطين من هؤلاء ، لم يصعد كثيرا لكن ( قبطيته ) كانت تبدو باهتة ، وعديمة التناسق إذا ما قورنت بتلك ( القبطية ) الكلاسيكية التي كان يرتديها كثير من أبناء جلدته ، وأنداده، ويعيشون بها في المدينة ،وأذكر أنه أقام في أحد الأيام عرسا لإحدى بناته ، التهم الليل بنفس الأسنان التي تلتهمه بها أعراسنا ، وبدا للعابرين الذين أرخوا آذانهم عرساً وطنياً أصيلا ،وصعقنا نحن سكان الحي حين استمعنا إلى أغاني البنات و ( الجرتق ) و( السيرة) الموغلة في المحلية تردد بألسنة بيضاء، كان أبرزها لسان العم فلسطين.
كانت تجمعني بفلسطين جيرة لاصقة عرفني فيها طفلا وتابع تسلسلي إلى أن ( تطببت ) وأصبحت لي في الحي لغة أخرى ، لغة بنسلينية ، ومحلولية ، وكلوركوينية ، أتحدث بها في مواجهة الملاريا ، والحمى ، والنزيف ، فسعى إلى مصاحبتي معتمدا على شخصيته الروائية التي كانت تشد جانب الكتابة في، ولسانه المثرثر والتحريضي الذي كان يحولني في دقائق من مجرد طبيب متدرب في سنة ( الإمتياز ) تشاكسه الأمراض ، وتفر العقاقير من ذاكرته المجهدة ، إلى ممتلئ كبير بامتلاء ( مستر نابري ) ، و ( بشير أرباب ) .. كنت أسعد بذلك الامتلاء الزائف ، استجيب لإزعاجه الصباحي المبكر ، والليلي المتأخر ، والباتر لنوم الظهيرة،وربما الذي ينتزعني أحيانا من لقمة الغداء ، وطوال خمس سنوات من سكناي كطبيب في الحي ، أزعجني فيها الجار والبعيد ، كان للعم فلسطين نصيب الأسد في ذلك الزخم الازعاجي
الآن عقدت العزم على السفر .. فرصة جاءتني راكضة وأردت أن أعانقها ، كان استعدادي متواضعا ، ذلك الاستعداد النفسي الذي تلتهمه الأحلام أكثر مما تلتهمه الحقائب ، وقد صور لي ذلك الامتلاء الزائف الذي كان يملأني به العم ( فلسطين ) ، أن مزعجو الحي ومرضاه الذين استجبت لهم طوال تلك المدة وقاتلت عللهم وأمراضهم، سيسدون الطريق نحو منافذ السفر ، وربما يبكي بعضهم تأثرا ..وتخيلت دموع العم فلسطين وهي تغرق التذكرة والمشاعر ..وتستحلفني أن أظل مزعوجا أبديا .. وحين انتظمت في سلك المغادرين وتلفت .. لم أجد أحدا ..لا فلسطين ، ولا أي بلدة أخرى
شاعر بعيد
كان عشقي للكتب والمكتبات ، ولا يزال عشقاً كبيرا، عشقا له تاريخ ، وجغرافيا ، وتضاريس تتعمق في الدم كلما تعتق ، كان ( رفعت ضرار ) السواكني الأبيض .. والصديق للعائلة ، هو أول من استولى على طفولتي الهائمة ، حولها إلى طفولة قارئة ، وابتعد بها أعواما عن طفولة الأطفال ،التي اكتفت بلعب البلي والكرة ، والمشاغبات .. وحين كان المراهقون يسقطون صرعى في شرك العيون والابتسامات ، والرسائل الملتهبة، كنت أسقط في شرك أي كتاب يغازلني حتى لو كان غزلا ممزقا ، ومتسخا ، ومركونا في أي رف كاسد . أيضاً حين تعلمت السفر ، والعودة والتسوق ،لم أكن أطعم حقائبي هدايا طازجة يستمتع بطزاجتها الأهل والأحباب ، كنت أتخمها بوجبات الكتب إلى حد الإيذاء ، فتحملها وهي كارهة . وكنت بذلك أكثر مسافر في العائلة لا يخب الفضول إلى حقائبه ، كان الفضول يعرف ما في تلك الحقائب
حين انغرست في البلدة البعيدة ، انغرس معي ذات الجوع القرائي الذي يلازمني ، التهمت كتبي التي أحضرتها معي في عدة أيام ، وبدأت أتلفت ، مدفوعا بعضلات ذلك الجوع .. كانت البلدة شديدة الفقر ، وكثيفة الأمية ، ينحصر متعلموها في زمرة من الغرباء ينزوون تحت عزلة الغرابة، وعدد من المعلمين ،واللاجئين ، والتجار الذين اختزلوا اللغة إلى أسماء سلعية محددة ، يكتبونها آليا في دفاتر السلف والتدين ، نقبتهم واحدا .. واحدا ، وعثرت في خزائن بعضهم على كتب كانت هامة فيما مضى، وأكلت ( الأرضة ) أهميتها تماما .. عند ذلك بزغ في تخبطي ( سر الختم) ، فأطفأ الجوع بكفاءة
كان اسما ( شايقيا ) خالصا ،يجاور النيل ، والنخيل ، وينادى بأصوات تلك المنطقة الخصبة في الوطن ، و لم أكن أتوقع أبدا أن أصادف ذلك الاسم في تلك البيئة المغبرة ، ينادى بأصوات الرطانة العرجاء ، فتصيبه وتخطئه ، سألت عن هويته ، وأماكن تواجده ،فقادتني البلدة كلها إليه ، ليس لشهرة فيه ، ولكن لضيق في البلدة ، يحول النمل إلى جراد ، والهمس إلى صراخ ( مايكرفوني ) ..قال الذين قادوني إلى بيته المتواضع في أحد الأركان البعيدة ..إنه شاعر في قامة ( ود هداب ) ..كبير شعراء المنطقة ، لكن شيطانه عدواني ، لا يحتفي كثيرا بغرباء الحكومة
لم ألتفت كثيرا إلى مسألة عدوانية الشياطين ، ولا أظن أنه يملك شيطانا أكثر عدوانية من شيطان ( محمد آدم ) الشاعر القاهري ، والذي آخيته في فترة ما ..حتى اختصني شيطانه بكثير من والود .. حثثت الخطى إلى بيته وبأسرع مما توقع المرافقون
استقبلني العدواني استقبالا يليق بشهرته ، وفي بيت دلت كل مفردات ترتيبه ، أنه بيت أعزب صرف ، لم يعش بين جدرانه ذوق أتثوي ،كانت الكتب عيالا متسخة يسيل من أغلفتها المخاط ، تتبعثر في فوضى البيت ، وتأكل الكثير من مساحته ، وكان العدواني مستندا على صف منها ، ويبدو أن غفوة صارمة كانت تمسك بمزاجه .. قال دون أن يسأل عن هويتي .والتي يبدو أن البلدة أوصلتها إليه قبل أن أصله ...فقط مسح هيئتي الغريبة بعينين خمسينيتين كانتا تشعان دما
كلكم جواسيس .. وتسرقون الشعر لتنسبونه إلى أنفسكم .. حتى الفرنسيين الذين جاءوا بزعم تغذية الأطفال .. ذهبوا وهم يحملون شعري لينسبونه إلى ( بودلير ) .. إذهب لن تسمع قصيدة ، ولن تقرأ كتابا من هذه الفوضى ..
شخصت حالته بقليل من التنقيب في معلوماتي المتواضعة عن الطب النفسي ، وبذلت مجهودا جبارا حتى استملته إلي ، كان مثقفا منفيا في روحه ، لم أعرف ظروف هجرته إلى هذه البلدة ، لكنني أخمن ظروف انتسابه إليها ، أسمعته قصائد من رامبو ، ولوركا ، وأمل دنقل ،وأسمعني قصائد شديدة الإعياء تخرج لاهثة .. وعندما انتقلت إلى كتبه الفوضوية ، انتقلت معي أريحيته ، أهداني العشرات منها دون أن تفارقه الإغفاءة الصارمة ، أو يتغير استناده على صف الكتب المغبر
حين عدت إلى مدينتي بعد عام ونصف من ذلك ، كانت حقائبي كالعادة بعيدة عن فضول الأهل والأحباب .. كان الفضول يعرف سلفا أنها مثقلة بالكتب ، ولن يعرف أبدا من أي عرين انتقيتها
معضلة اسمية
هذه المرة أيضا ، ومثلما حدث في مرة سابقة ، أجد نفسي مواجها بمعضلة شاقة .. كيف أعثر على اسم مسالم أسمي به ولدي الجديد . دون أن أخدش اسمي الذي يأبى أن يشيخ أبدا . فمنذ نشأت وأنا أحمل اسما صغيرا ومهندما .. ناسبني حتى عشرينات العمر ، ثم بدأت أحس به أصغر كثيرا من أن يصل معي إلى الثلاثينيات ،وما بعد ذلك إن وصلت .
لقد ارتبطت التسمية عندنا في السودان بأشياء كثيرة ، كانت أهمها أحلام الأمهات التي تزودهن بالأسماء إضافة إلى أسماء الأجداد والأقارب .. وقد كان الناس عندنا في الشمال يجلسون ساعات أمام الراديو يستمعون إلى أسماء الوزراء والوجهاء ، والنواب الحزبيين ، وكشوفات الناجحين والمترقيين والمنقولين والمعارين ، ويختارون كل حسب وجهته ، . وأزعم أن الأسماء كانت خير دليل على ترتيب الأجيال..فيما عدا أمثلة قليلة شذت عن القاعدة . بمعنى أن مواطنا اسمه ( خير السيد ) ، أو ( الجعلي ) ، أو ( فضل الله ) ، لا يمكن أن يوجد الآن في روضة للأطفال ، أو مدرسة ابتدائية ، ولا حتى في دهاليز أي جامعة .. بنفس الطريقة لا يمكن أن تجد أبا أو جدا اسمه عاطف، أو هيثم ، أو وليد .. أو حتى - الذي يجلس الآن يفكر في معضلته .. لقد سماني جدي بذلك الاسم الأنيق بعد حج شاق ومبرور للأراضي المقدسة في نهاية الخمسينات، وأتخيل كيف عارك أمهاته .. وجداته .. وأخواته وكل أصوات قرية ( كرمكول ) حتى بهندمني بذلك الاسم .. وإلا لكنت اليوم أسوة بأبناء جيلي من مواليد شمال السودان أحمل اسم ( المحجوب ) أو ( خضر ) أو ( الحسن ) أو ( الماحي ) أو حتى ( سيد أحمد ) على أقل تقدير.. كانت بالطبع ستنتهي المعضلة ، واجلس واضعا ساقا على ساق ، واسمي أبنائي وحتى أحفادي المتخيلين .. بأسماء تقترن باسمي في هدوء ، ودون إيذاء أو لفت للنظر .
لقد اجتهد مسميو البنات في السنوات الأخيرة ، وطرحوا في شهادات الميلاد وأسابيع المواليد ،أسماء طافت بكل شئ ، وأخذت من كل شئ ، لم تترك وردة ، ولا عطرا ، ولا تاريخ ، ولا جغرافية ، ولا سماء ، ولا نجوم ، ولا مسلسل درامي ، وأصبح على الذي يرزق ببنت .. أن يدخل إلى أي ( سوبر ماركت ) للأسماء ، ويختار أي اسم يصادفه .. فلن يكون نافرا أبدا .. وسيأتي بكل هدوء ورقة ليلتصق باسمه .
أذكر عندما كنت أعمل في قسم النساء والتوليد في أحد المستشفيات الساحلية ، برفقة أستاذي الراحل ( توم حامد ) .. وزملاء آخرين ، كانت ( الحوامل ) يتمنين أن يضعن حملهن في مناوباتي ، حتى يلصقن بأبنائهن ذلك الاسم .. وكانت تلك الأمنيات تشكل غيظا مستديما لزميلي وصديقي ( الضو ) الذي كان يحمل اسما (جعليا) صلدا .. وخارج نطاق ( الموضة ) ..يوزع على مواليد ( بربر ) و ( المتمة ) و ( المحمية ) في أي زمان.. بالرغم من أن ( الضو ) كان أمهر مني ، وأشيك ، وينحدر من أسرة من التجار..كانت تمده بأزياء باريس وعطورها . وعندما عملت في الحدود ( الإريترية ) مدة من الزمان .. ولد في عهد خدمتي عشرات حملوا اسمي وأحدثوا تغييرا ناعما في أسماء المنطقة التي ظلت ثابتة لفترة من الزمن لم تخرج عن إدريس وسعيد وعوض الله.. وأظنهم الآن صبيانا مزهوين يستعيضون عن خشونة الفقر .. بنعومة الاسم ..
أعود إلى معضلة ابني الجديد .. أبحث عن طبيب حضر الولادة .. أو مر .. أو سأل .. أو تابع أجد أسماء بعيدة عن بيئتنا .. وربما تحدث نزاعا أسريا .. أو اجتماعيا .. لو اخترت إحداها .. وأخيرا يأتيني اسم ( أمجد ) راكضا .. اسم عربي وعجمي .. وشديد الطيبة والتأقلم ..ومثلما يعيش باردا في مصر والأردن ولبنان .. ومعتدلا في الباكستان ..كان أيضا يستطيع أن يعيش حارا ودافئا بالقرب من خط الاستواء