|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
عطش القروي الذي ولد مدينيا
شهادة إبداعية
حتى عام 1986 لم يكن للسرد خطوات في مسيرتي الكتابية ، كانت مسيرتي شعرية بدأت بكتابة القصيدة العامية منذ كنت تلميذا ابتدائيا يقضي زملاؤه عصاريهم ومغربياتهم في لعب الكرة والبلي ، وتسلق الحوائط واستفزاز المارة ، ويقضي هو تلك العصاري والمغربيات في مطاردة الكلام واستفزاز الورق،وصياغة عاميات كانت تعني له في ذلك الوقت فتوحات لا تقل شراسة عن فتوحات ( المقدوني ) و ( بونابرت ) وصلاح الدين . في عام 1985 وعندما كنت طالبا جامعيا في مصر ، تنفست في أوراقي أول قصيدة فصحي .. كانت نتاجا لقراءات مرهقة ، لقحت بها ذهني في ذلك الوقت .. تبعت تلك القصيدة قصائد وقصائد حتى استطعت في عام واحد أن أنتقل من ضلفتي المتنبي إلى غموض عفيفي مطر ، ثم أصبح لي غموضي الشعري الخاص الذي لم يفارقني حتى الآن .. نشرت في تلك الفترة قصائد عديدة في مختلف الدوريات الثقافية كان أبرزها مجلة ( إبداع ) وكانت تلك المجلة تنشر لنا في باب خاص اسمه ( تجارب ) وضعت عليه لافتة تحمل عبارة ( القصائد والقصص التي تنشر في هذا الباب .. تنشر على مسئولية أصحابها ) كان ذلك أشبه بالحجر الصحي الذي يمارس ضد كثير من الأمراض الوبائية التي يخشى انتشارها وقد أدى ذلك إلى شعوري وكثير من زملائي الشعراء والقصاصين ، أننا نكتب الطاعون والكوليرا وليس إبداعات أرقنا فيها الكثير من الوقت والتوتر .. وألبسناها ملابس زاهية كنا نظنها ستسر القراء .وأقول بهذه المناسبة أنني برغم توغلي في المسألة الشعرية إلا أنني لازلت أحس بأني مجرد عضو في فرقة موسيقية كبيرة بعكس الرواية التي حققت فيها بعض التميز حتى لوكان تميزا ليس بذي قيمة تذكر.في عام 1986 التقطني الكاتب الفذ عبد الحكيم قاسم .. كانت ( أيام إنسانه السبعة ) قد دخلت إلى قلبي من بابه الواسع ، وتركت في كل غرفة من غرفه عطرا أخاذا .. أسمعته قصائدي وقال لي .. تملك نفسا سرديا .. وبيئة مجنونة .. وذاكرة مشعة ..ولا بد أن دراستك للطب قد علمتك الجلد ..لماذا لا تكتب الرواية ؟ .. ثم كانت كرمكول .. روايتي الأولى التي ولدت وعبد الحكيم قاسم يدلي بغيابه في الحياة الأدبية والإنسانية .. التناقض الذي قوبلت به كرمكول والذي تراوح بين التربيت على كتفها ، ومصافحتها بحرارة إلى صفعها ،ركلها بالأرجل ونصب مشنقة لتعليقها ، أعطاني إحساسا بأنني كتبت رواية والآن حين أنظر من عمري وتجربتي هذين إلى كرمكول أحس بها مسكينة ويتيمة وتستحق العطف.
اهتمامي بالتراث والفنتازيا ،وأسطرة المكان والشخوص ، بدأ ببدايتي ..لم يكن مقصودا ، لكنه بلا شك كان إفرازا لامتصاصات عديدة التقطتها من البيئة .. لعل وضعنا الجغرافي ، وانغراسنا وسط حضارتين .. العربية والأفريقية أعطى لأدبنا تلك السمة إضافة للطقوس التي يمارسها المحليون وتأثرنا بها في الكتابة ووظفناها كضرب من ضروب الفنتازيا، جعلنا نكتب أدبا مغايرا .. وأقصد في هذه الفقرة معظم الذين كتبوا قصة أو رواية في السودان وأشير إلى الطيب صالح وإبراهيم اسحق ، ومحمود محمد مدني وأنا شخصيا ..كنت أرى القرية مشربة بالطقوس الغريبة .. التبرك بالأضرحة .. التهام الخرافات بشراسة .. الاعتقاد في أناس بعينهم .. والجلوس لساعات طويلة في جلسات الودع ، وتصديق كل ما تنطق به تلك الجلسات . وبالطبع ومع تقدم التعليم وانتشار الوعي الديني في السنوات الأخيرة بدأت تلك الطقوس تنقرض ، وتحولت إلى فنتازيا فعلية . أيضا اهتممت بالتاريخ ، ليس التاريخ الحقيقي الذي كان .. لكنه التاريخ الذي أردته أن يكون وأنا أرسم شخوصي .. وأضرب مثلا من رواية كرمكول .. قصة ود ضبع الذي غنم جبة الأمير محمود ود أحمد أحد أمراء المهدية .. وقادتها ، بعد أن هزمه الإنجليز وأسروه في واقعة ( النخيلة ) قرب مدينة ( عطبرة ) . أيضا في رواية ( سماء بلون الياقوت ) ،قصة الخطاب الذي أرسله عبد الله ود سعد حاكم قبيلة ( الجعليين ) إلى ( أم الحسن بنت الطيب ) واصفا فيه ضعفه وانكساره وبلواه بعد أن تخلت عنه القبائل واتجه أبناء قبيلته إلى الغناء .. وكان وحده أعزل في مواجهة حملات الدفتردار الانتقامية لصهره إسماعيل باشا الذي أحرقه الجعليون حيا . هذان الحدثان لم يظهرا تأريخيا بنفس الهيئة ، لكن الضرورة السردية والاسقاطات التي أرادها النص ، اقتضت ظهورهما هكذا . في نار الزغاريد .. روايتي الأخيرة .. عملت في منطقة بعيدة ذات تأريخ مغلق .. واستطعت أن أصنع لها تأريخا .. تقرأه كأنه حدث بالفعل .. مجيء الحاوي وبناءه للبلدة .. وإخضاعه للقبائل .. والتغيرات التي حدثت على مدى قرنين من الزمان .. وحتى مجيء ألبيرت بشاي الإغاثي .
في اعتقادي ككاتب لهذا النوع من الروايات التي تأخذ من التراث ، والأسطورة .. أن ذلك يعطي النص تلك الرائحة التي تمسك بتذوق القارئ .. رائحة الدهشة والشبع .. ربما يختصم معي الكثيرون ، لكنني أحس بتلك الرائحة دائما وأنا أقرأ للأفارقة واللاتينيين ، والسودانيين أيضا ، لسنا بحاجة إلى كتابة تقرر لنا واقعنا الذي نحياه .. إنما حاجتنا الحقيقية إلى تأخذ من واقعنا وتعطيه
لم أسأل من قبل عن موقفي من التراث .. لكنني أسأل نفسي وأقول .. إنني في كثير من أعمالي أقف إما راصدا للتراث وإما عابثا به ومحاولا تغييره ، خاصة بما يتصل منه بالخرافة والجهل ..كما حدث في موقفي من التبرك بضريح ( الحاوي ) في ( نار الزغاريد ) ، فقد جعلت السلطة ترسل برجالها إلى البلدة ليعينوا عمالا حكوميين لملء الأزيار بالماء حتى يقضوا على شائعة الأزيار التي تملأ نفسها بنفسها . أما بخصوص التأريخ الوطني .. فكما قلت .. آخذ منه ثوبا أو عمامة ، أو ابتسامة ، أو تقطيبة وجهية ، وأبني على ذلك هياكلي التي أريدها في النص
أخيرا هذا جزء من عطش القروي الذي ولد مدينيا لكنه لم بنس وجهه وهو يحدق في لغة المدينة