|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
الروائي السوداني أمير تاج السر
الطيب صالح أحدث انقلابا في الرواية العربية ولكن
هذا الروائي السوداني يشبه الساحر الذي يحول الأنظار إليه بمجرد ملامسته للأشياء ،فهو مبدع يصنع أساطيره الخاصة التي تقترب من الواقع الحقيقي لتصبح بلمسة من قلمه "روايات "يحتار القراء والنقاد في فصل الواقع فيها عن خيال الفنان ..وفي روايته الأخيرة "سماء بلون الياقوت "يصبح المكان جزءا أساسيا من الحدث و"عصب "الرواية ،بل هو جزء من الشخصيات التي تدور في فلك لا يعرف مداه إلا أمير تاج السر نفسه الروائي المهاجر الذي يعيش الآن -طبيبا - في قطر ،وقبلها كانت القاهرة محطة أساسية في حياته ،اذ انطلق منها إلى عالم الإبداع .."الأهرام العربي "التقت هذا الروائي في القاهرة ،وهو يقدم إحدى إبداعاته إلي عالم النشر ..وكان هذا اللقاء
حوار -عزمي عبد الوهاب
بدايتك كشاعر كان لها اثر كبير في هذا التكثيف الشديد والشكل الفني في روايتك "سماء بلون الياقوت "هل انقطعت عن كتابة الشعر وانصرفت إلى الرواية؟ما أسباب ذلك؟
مازلت أواصل الكتابة الشعرية ،فقط أحسست أن الشعر لا يتيح لي أن أبوح بما يدور في داخلي وحولي بالشكل الذي أريده ،الشعر أشبه بالصيغة الضدية بالنسبة لي ،أما الرواية فهي تسع الشعر والقصة القصيرة والتشكيل وكل الفنون بما في ذلك السينما ،الرواية أشمل وأنا كنت ممتلكا لمخزون من الحكي إضافة إلى مقدرة شعرية لدى ووجدت صوتي وتميزي في فن الرواية ،ورغم أن لي ثلاث مجموعات شعرية الا أنني لم أشعر بتميزي وسط هذا الكم من الشعراء ،لكنني لا أستطيع أن أنفي استفادتي من الشعر في هذا الاختزال الموجود بالرواية رغم وجود عدد كبير من الشخصيات بها .
"سماء بلون الياقوت "يقطع السرد فيها في اكثر من موضع بمقاطع شعرية مكتوبة بالعامية السودانية هل ترى أهمية لتضفير هذه المقاطع بصوره تقف حائلا دون استكمال حركه السرد لدورتها ؟
هذه المقطوعات الشعرية تدخل في نسيج السرد وتكمل الحكي الموجود قبلها ولا يصح أن تجتزأ من هذا السياق ،ففيها نوع من التجديد الذي يكسر حده السرد العام ،هذه المقاطع أشبه بالجوقه في المأساة الإغريقية التي كانت في ذهني وأنا اكتب لكنني كتبتها بطريقتي الخاصة ،فأنا تجريبي في المقام الأول اجرب جميع الأشكال والطرق وحتى الآن لم اصل الذي أريده ،وبعض النقاد الذين كتبوا عن رواية "سماء بلون الياقوت " عابوا استخدام هذه المقاطع الشعرية على هذا النحو وبعضهم أشاد بها فهي نوع من التكنيك الكتابي المغاير ولابد من الالتفات إلى أنها مكتوبه على المنوال الشعبي .
لكنها أحيانا كانت تبدو منفصلة عن سياق السرد ألم يكن من الأفضل صياغتها بالفصحى حتى يكون هناك مستوى لغوي واحد مستخدم طول الرواية؟
أنا قصدت أن تحاكي الموروث الشعبي لاستكمال الحكاية خاصة الجزء الغائب منها ففي رواية "كرمكول " أقمت احتفالا لطرح مشروع الحصانة القروية بمعنى أن على آهل القرية واجب حمايتها من كل شئ خارجي وفي هذا الاحتفال غنى المغني أغنية أتيت بها كأمله ،كذلك في "سماء بلون الياقوت "عندما مات السائق "ود الشاطر "لم أوضح سبب موته بالحمى السحائية الا في المقطع الشعري .
لماذا تبدو الرواية مجردة من الزمن ؟هل هناك هدف من وراء ذلك ؟
اكتب واقعا موازيا للواقع ،اخذ جغرافيا المكان لكنه ليس المكان نفسه حتى يتاح لي الكتابة في زمن مبهم واترك الأمور مفتوحة لفضاءات التأويل ،أنا استمتع بهذه الكتابة ولا اعرف إلا أنها تخدمني بصوره ما .
فعندما الغي الزمن تتحول الأشياء إلى اسطوره او تسعى لخلق أسطورتها الخاصة ،ففي رايي أننا لسنا في حاجه لكتابه الواقع بحذافيره وهذه ليست طريقه جديده لكنني كتبتها بشكل يميزني عن غيري .
شخصية "بامكار حسن "في الرواية كذلك "عباس المهم "يمثلان وجهين للسلطة السياسية في وجهيها العسكري والمدني ،أيضا هناك إحالات سياسية عديدة منها النائب الذي اغتصب مقعده في البرلمان كيف وظفت هذه المستويات السياسية دون أن يفسد البناء وتتحول الرواية إلى مجرد خطاب حماسي زاعق ؟
هي مجرد نماذج اجتماعية موجودة في كل بيئة فشخصية العسكري الذي يحلم بالسلطة نموذج اجتماعي يوازي شخصية التاجر وهو "عباس المهم "الذي خرج من القرية فقيرا وعاد إليها من العاصمة غنيا ،هذان النموذجان انتقيتهما من البيئة وهما موجودان داخل السياق الفني لخدمه العمل ،وأي إسقاط سياسي حول هذه النماذج اتركه للقارئ ويكفيني مجهود الكتابة لا التفسير .
صفية عثمان امرأة تفعل ما أشارت به عليها الصداقة فتذبح "تيسا "وتضعه تحت السرير لأيام وذلك حتى يعود زوجها الغائب إلى أي مدى كان للموروث الشعبي تأثير عليك ككاتب ؟
هذا جزء من الموروث السوداني وايمان الناس بالخرافات ما زال موجودا في مجتمعاتنا العربية فهي إذن جزء من الواقع وكان من الضروري توظيف مثل هذه الأشياء ،فأنا ولدت في هذه البيئة وتشربت بها،وأثر الدماء الإفريقية كان واضحا لدي في كتابه رواية "نار الزغاريد "فجزء من عالم الكناية عندي يأتي من انبهاري بالمدن التي اعيش فيها وهذا أمر طبيعي كأن يكتب أي مصري عن حارات القاهرة التي يعيش فيها .
لماذا اخترت الرواية تحديدا فمن المعروف أنك لم تحاول معالجه القصة القصيرة في كتاباتك ؟
ما زلت اذكر أنني عرضت على الراحل "عبد الحكيم قاسم "فصلا من رواية "كرمكول "فأشاد بها وشجعني ذلك على استكمالها ،ولم يرد في ذهني محاولة كتابة القصة القصيرة ربما لاحساس يلازمني أنها لن تريحني فنيا ،لم أشغل نفسي بمعرفة السباب ذلك فأنا أمام خيارين وحيدين :أن اكتب شعرا او رواية
هل هناك دلاله تعنيها من وراء تعلق"فطومه بنت الكرد "بالشيخ سعد ؟
"فطومه بنت الكرد " كما قال الناقد السوري "نزار الصالح"نموذج للمراه العربية التي أعلنت حبها لشخص معين في حين أن النساء العربيات لا يفصحن عن حبهن ،فكانت نموذجا منفتحا -حسب رأيه الشخصي -وشخصية مغايرة لكل الشخصيات التي تدور حول الشيخ سعد الذي كان يعتبر ابا للقرية،وهي انسلخت من هذا النسق وأعلنت حبها أمام الناس وحاولوا أن يثنوها إلى أن أمرت من الشيخ فصمتت ،مع ذلك هي لم تكن حره في اتخاذ قرارها ،أن تضفير الأسطوري مع الحلمي مع الواقعي يعطيك إحساسا أن هذا واقع حقيقي لكن هناك صناعه فالإبداع لابد أن تترك فيه بصمتك الخاصة .
هل كان لدراسة الطب اثر مباشر على إبداعك ؟
الكتابة في الأساس موهية أما الطب فهو مهنه عادية كغيرها من المهن ،استفدت من الطب بمقابله شخصيات كثيره ،ولو لم اكن طبيبا ما كنت كتبت رواية "نار الزغاريد"،فالطب أمدني بخامات الكتابة وشخصياتي معظمها ماخوذه من منطقه عشت مع اهلها بصفتي طبيبا قد تجد في "نار الزغاريد" جملا طبية لكن في النهاية الطب ليس فنا هو دراسة أكاديمية عادية.
لماذا لم نر في السودان قامة أدبية أو روائية على غرار "الطيب صالح "؟
"الطيب صالح "جاء في وقت له ظروفه الخاصة أضاف إلى فن الرواية فعلا،ونحن لا نستطيع القياس عليه فالمرحلة التي تلت ظهوره بها كتابات جديده لم تقيم تقييما صحيحا ،"الطيب صالح "احدث انقلابا في الكتابة وكان موهوبا ومبدعا كبيرا أما سأله الشهره في مسألة نصيب
ماذا عن حركه الأجيال الجديدة في السودان ؟
الشهره الفردية لم تعد كوجوده ،والكتابات الجديدة تظهر في شكل أجيال بالاضافه إلى أن اختلاف الظروف والحركه والنشر ذاته كلها أشياء أصبحت ثقيلة الوطاه فأنت تبذل مجهودا كبيرا في الكتابة والتعريف بنفسك لكن التعامل مع دور النشر اصبح صعبا جدا .
"نار الزغاريد " كيف تراها مقارنه بروايتك الاخيره المنشورة ؟
هي تجربة مختلفة عن "كرمكول " و"سماء بلون الياقوت "فالروايتان استوحيتهما من بيئة شمال السودان بنيلها ونخيلها أما "نار الزغاريد "فقد استوحيتها من بيئه شرق السودان وهي بيئة غريبة ومجهولة حتى للقارئ السوداني فهي بيئة الغبار والرمال والأشجار غير الظليلة التي تغيم على كل شيء ،الرواية تحتفي بالمكان اكثر من الحدث رغم وجوده ،كما أن الأسلوب ظهر بتعقيد اقل ..
====مجلة الأهرام العربي
السنة الأولى -العدد38
السبت 13 شعبان 1418- 13 ديسمبر 1997م