Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

 

"مرايا ساحلية "رواية السوداني أمير تاج السر

نشيد تذكري ومرآة للوقائع الملونة

صفوان حيدر

ليس الأدب نقل تجربة أو نقل عاطفة ،بقدر ما هو تفعيل هذه العاطفة أو تلك التجربة لتكون مفتاحا يستعمله المتلقي للدخول أشد عمقا إلى عالمه الخاص به

انطلاقا من هذا الفهم ،يمكن التعامل مع نص "مرايا ساحليه "أو "السيرة المبكرة "للسوداني أمير تاج السر

تبدأ الكتابة غوايتها لدى تاج السر في لحظة تصادم ببين واقعين وهميين.واقع شعري متخيل وآخر حكائي واقعي ,وتتراكم التفاصيل السريعة حتى ليكاد بعضها يمحو البعض الآخر.دوى هذا التصادم بين الواقعين ،هو ما يجذب تاج السر إلي الكتابة ويجعله صريع فتنة أسلوبيه لا تقاوم .هذه "السيرة المبكرة"إنما هي صندوق سحري مأهول بالالتماعات والالتفاتات السريعة المعبرة ،إنها أسرار الطفولة والصبا وهي تقتنص الماضي بشبكة الكلمات المعبرة والتسميات والإشارات المزدحمة في عمق ذاكرة الكاتب .إنها أسرار لغة الواقع السوداني المعاصر الخفية ،التي تخترق كل واقعة في اتجاه مغزاها ،المشار إليه ،بكثافة تلخيصية وإيحائية مبهرة

أروع ما في الأدب ليس في سعيه إلى إفهام المتلقي المعاني التي وقع عليها الأديب ،أو إدراك التجربة التي عاشها بل هو في قدرة الأديب على توصيل المتلقي إلى حاله ذاتية مطلقة الحدود،ولكن ،منطلقة من رؤية هنا قصصية لهذا الأديب ،وأمير تاج السر في مراياه الساحلية يشبه الساحر الذي يبهرك من الوهلة الأولى فلا تستطيع أن تفرق بين ما هو حقيقي وما هو خيال ،ساحر هو يعبئ قبعته بالوقائع المبعثرة من هنا وهناك ،لكن سحره لا يخطئ أبدا هدفه المرسوم .وهو تشكيل لوحة مرآتية غنية لحياة مدينه ساحلية سودانية (على البحر الأحمر ) عاشتها طفولة تاج السر وصباه ،هكذا،يخترع تاج السر لنا تقنية جديدة في الفن الروائي ،منها ، التداعي بالجزئيات والإشارات السريعة ،جو من السريالية السردية إن أمكن التعبير ،ولكن من خلال سريالية الكاتب لهذه التفاصيل والجزيئات المتداعية والمتلاحقة بنفس ملحمي على امتداد 126 صفحة فإن القارئ يحس بمجرد انتهائه من تلقي النص ،أنه ما عاد هو ذاته الذي بدا مع بداية النص

سرد تذكري

يسعى تاج السر للخروج من نمطية التعامل مع الشخص \البطل ،ليلج رحاب التعامل مع سيرة السرد التذكري أو مع سيرة التذكر السردي ،ليس في هذه السيرة بناء شخصيات مركبة ،بل نتف ذكريات عن ملامح شخصيات سودانية ،تسرد خصائصها بشكل متسارع ،ولاهث أحيانا ،ومبهم حيانا أخرى .ولكن عبر إيقاع سردي أسر ومتناغم،يحول هذه السيرة إلى ما يشبه النشيد التذكري ،أشبه بمونولوج طويل من مونولوجات مرسيل بروست الوصفية ،ولكن الغنية بمفارقات موصوفاتها وإشاراتها الموحية،ليس في هذه السيرة بنية حكائية متمثلة بحدث يبلغ ذروته ثم يتفكك في نهائياته ،بل أن هذه السيرة /النشيد يمكن قراءاتها من منتصفها أو من نهايتها رجوعا إلى بدايتها من غير أن يتغير التأثير الذي تخلفه عند القارئ

إنه سرد دائري ،أشبه بفيلم تسجيلي ،بلا بداية ولا نهاية ، سريع اللقطات ،يحكي عن أماكن وأشخاص المدينة الساحلية /الحلم ،و المدينة ،الواقع ،عند ساحل البحر الأحمر السوداني ،بتقلباتها الدراماتيكية والمحزنة ،وتغير وجوه أشخاصها وملامح أمكنتها التي تدفع بالقارئ إلي عيش عالم مزدحم بالتفاصيل المدهشة ،وكأنه جالس أمام شاشة فيلم تسجيلي،لا يقدم إلا لقطات معبرة ، تخترق الوقائع،إلى المغازي الكامنة في لعبة تغير الزمن وضياع الماضي أمام وطأه الحاضر والمستقبل الداهم الذي يجرف كل شيء ،خلف سيرورة لاهثة ومدهشة وفتانة

طبعا ،العين التي تنقل هذا الشريط الإخباري –السردي ،هي عين الكاتب ،والنص سيرة حياة طفولته في خضم مدينة تعصف بها المتغيرات ،تكتبها يد تاج السر العارفة ببواطن الأمور وظواهرها المتغيرة .أما لسان هذه السيرة فتحتشد فيه التسميات والتعليقات والتلميحات والانتقادات اللاذعة حينا ،والخاطفة أحيانا ،لأنفاس القارئ الذي يجد نفسه (مرغما)على متابعة مسلسل من الذكريات الحكائية السريعة ،المكتوبة باختصار وتكثيف لغوي مشهدي آسر في مغازيه

أنها تقنية في فن السرد الروائي ،تشتغل على التركيب اللغوي للسرد ،وتشد القارئ لقراءة ما لا يتوقع من بنية محكمة ،ولا قصة بمقدمة وذروة وخاتمة ،ولكن ،لقراءة تداعيات،يشكل تسلسلها المتشابه ،ولكن غير الرتيب ،نسيج لوحة روائية ،غنية بالمعاني المكثفة ،والاستطرادات السريعة المفاجئة ،التي تجعل من هكذا تعامل مع اللغة ،عملا سرديا تصويريا بامتياز

القارئ لقصص نجيب محفوظ أو يوسف إدريس أو حنا مينه ،سوف لن يجد في هذا العمل السردي للسوداني أمير تاج السر ،ما يلبي حاجته النهمة لمتعة عيش حكاية مكتملة الجوانب والتفاصيل ،ولكن قارئ الشعر والملاحم ،سيجد في هذا السرد الملحمي الشعري القصصي بإيحائياته المركزة والمضيئة ،ما يسد حاجة ماسة لتجريب روائي جديد ومميز

هذه "المرايا الساحلية " العاكسة لعشرات القصص بشكل سريع لاهث ،تصح أن تكون بداية مشروع روائي متكامل بحجم ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة ..وليس متن الكتاب أو مضمونه إلا ترجمه أمينة لوظيفة تلك "المرايا العاكسة " ،التي يمكن اعتبار ما تعكسه،أسلوبا جديدا في السرد الروائي ،متأثرا بتقنيات السينما التسجيلية التي لا تقدم قصة متكاملة ،بل عرضا سريعا لعشرات المشاهد والقصص ،التي يحفل بها عالم تاج السر المدهش في التماعاته المعبرة

كتابة مفتوحة

وكيفما دار الأمر ،فإن ما يقدمه تاج السر من خلال مراياه العاكسة ،إنما هو تجربة رائدة في عالم كتابة "الحالة الشعرية السردية"..التي تدخلنا في "تناسبات "لغوية و"تعادلات " رياضية تشبيهية وتصويرية ،تخرج النص من قوالب موات المكتوب إلى رحاب حيوية المعيوش ،من غير وقوع للنص في عدمية التقييد والتقيد بقوالب الرواية وأقيستها التي أصبحت مكررة في نسق ،آن الأوان لتجريب سواه من الأنساق المنفتحة والمفتوحة على أفاق مقاييس جديدة

إن كتابات أخرى واعدة ،في هذا المجال السردي ،لتاج السر ولسواه قد تقدم تعميقا جديدا لدور اللغة في النص الروائي ،وتجارب حكائية جديدة ومفهوما جديدا في عالم الثقافة الروائية الإبداعية العربية

جريدة السفير _الاثنين 24كانون الثاني 2000 العدد 8508