Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

أمير تاج السر في مرايا ساحلية
بمـادة طفولتـه ينشىء تأريخا مجاورا

فاروق يوسف

حين صدر كتاب مرايا ساحلية للروائي السوداني، وأحد كتاب الوطن أمير تاج السر في بيروت قبل أشهر، اختلفت الآراء النقدية حول جنس الكتاب الأدبي، بالرغم من ان تاج السر قد ذيل عنوان الكتاب بمفتتح توضيحي هو عبارة عن جملة بكلمتين سيرة مبكرة أي ان الروائي قد قرر وبشكل واع ومدرك ان كتابه هذا انما ينتمي الى أدب السيرة. الأمر الذي يعني بالتأكيد انه لا ينتمي الى النوع الروائي الذي أبدع فيه تاج السر كتبه الثلاثة السابقة، ومع ذلك، ولأن تاج السر كاتب خلافي، فقد دفع ذلك المفتتح الكثيرين الى مناقشة امكانية ولادة نوع أدبي جديد هو مزج بين نوعين ادبيين مكرسين هما: الرواية والسيرة الذاتية، فتكون الحصيلة جنسا أدبيا أطلق عليه احد النقاد تسمية رواية السيرة الذاتية. هنا نقدم قراءة تذوقية لهذا الكتاب.

حين قرأت، صدفة رواية نار الزغاريد للروائي السوداني أمير تاج السر انتقل إليّ وبسرعة جنونية ومثل عدوى ذعرها الاستفهامي، من الصفحة الأولى، بل من السطر الأول، سيطر عليّ شعور بأن هناك قوة خفية هي التي ترتب المشهد وتؤثثه بأنفاسها وما الكاتب الا متلق، يشبهني، لكنه يسمع ما لا اسمعه من أصوات فالاحداث التي تقع في الرواية كانت تقع فعلا ولا يمكنني انكار وقوعها والابطال الذين كانوا يتجولون بحرية بين دفتي الكتاب لم يفارقوا الحقيقة، كانوا بشرا مثلنا وان اختلفوا عنا بدرجة حساسيتهم، ولكن، لا الأحداث ولا الابطال يمكن ان يجتمعوا على سطح واحد، حتى لو كان السطح هذا بحجم الكرة الأرضية. لقد قرر روائي ضال عن خط الرواية العربية ان يجد تفسيرا لحياته من خلال جدل هذه التلاقيات المضطربة. وقد يدعي امير تاج السر الواقعية. وهو واقعي فعلا. ولكن واقعيته ليست فوتوغرافية كما لدى نجيب محفوظ وليست سحرية كما لدى ماركيز، وليست وسطا بين الاثنتين، وكما ارى فإن هذا الروائي يمثل جيلا انفتحت عيناه على واقع مسموم تتقاسمه الاضداد. فهو متأصل واستعماري في الوقت نفسه. متهالك ومتراص، تجري به توقعاته الى المفاجأة دائما، كانت نار الزغاريد هي روايته الثالثة، بعدها قرأت روايته الثانية سماء بلون الياقوت فأدركت ان هذا الروائي لا يحاد وهو ينتقي المرآة التي تعكس وقائعه المنتقاة هي الأخرى بخبرة. فمراياه متعددة، ولذلك فإنه لا يجد نفسه مضطرا للنظر في مرآة واحدة مرتين، وهنا يكمن سر تنوعه الشكلي، هناك مسافة واضحة بين شكلي الروايتين. ولا يجمع بينهما إلا ذلك الاستعمال السحري للغة، فلغة تاج السر تظهر تعففها عن الوصول الى هدف ما ذلك لانها لا تنشىء كيانات تراكمية تجر السرد وراءها من مكان الى آخر، بقدر ما تسعى الى استيعاب حقيقة الحيرة التي اشتبكت بها، لغته فريسة تسعى الى انجاز قرارها لغة فالتة، لا تؤكد شيئا وهي تلاحق نفيها، لا تحتمي وراء شكلها مع انها لا تخفي تهكمها من أية امكانية مستترة لاقتراح يقين، أمير تاج السر يمحو بلغته كل ما يعوق عالمه عن النمو في منطقة افتراضية ينظف الوقائع التي تتسلل من بين أصابعه من منطق تماسكها الواقعي انه يدرأ عنها خطر جنوحها الى العادي ويمنع عنها استسلامها للعيش المنضبط اجتماعيا او ثقافيا. كالشاعر يستولي تاج السر على الوقائع لا لكي يشيع تداولها ملخصة ومسرعة في اتجاه عبرتها، بل لكي يضنيها، يستفهمها، يحلمها، يغذيها، يغتصبها، يرققها، يصدمها، لتكون بعد ذلك خلقا جديدا لا يذكر بماضيه، بل يقلّب بارتباك نظراته في المسافة التي تفصل او تصل بينه وبين العالم. كل هذه الغرائبية لا تقودنا الى اكتشاف افتعال ما القارىء فينا يجد ان كل ما يحدث في الرواية يدفع الى الرضا المغلف بقدر من الدهشة، غير انها دهشة ارضية وليست اقتراحا فضائيا، فأمير تاج السر بكل عوالمه الافتراضية هو ابن هذه اللحظة الوجودية القلقة. وهو لا يكتب ليغرينا بعدمه وقد وصل اليه وهو المواطن السوداني المحموم بالأسى، بل لكي يعلم الوجود بخفته، يفاجىء اللحظة التي تمر مسرعة بضحاياها، وكأنه يستعرض تاريخا مجاورا لما عشناه وما يقع قريبا منا.

وحين ذهب أمير تاج السر الى بيروت محملا بخيلاء الفاتحين وبذعر الحالمين توهمت انه ذاهب الى البحث عن ناشر لروايته الصيدة الحضرمية وكنت قد قرأتها مخطوطة، وتأكد لي من خلال قراءتها حدسي أن هذا الروائي ساحر يعبىء مراياه بسحره، وهو يجد لكل واقعة مرآتها الخاصة، وحين عاد من بيروت فوجئت بكتابه مرايا ساحلية مطبوعا وقد ذيل العنوان بتوضيح تعريفــي سيرة مبكرة .

هذا الكتاب يقرأ بيسر، من غير أي عناء، وقد يتوقعه قراء تاج السر ، فمن ادمنوا قراءة عموده الاسبوعي سيرة الوجع الذي تنشره الوطن القطرية فهو اشبه بمعجم توضيحي. مجموعة من الهوامش التي يقرأها القارىء وهو يسعى وراء وهم امتلاكه مفاتيح القراءة الثانية لروايات تاج السر السابقة منها واللاحقة، ولكن هذا الظن ليس في محله. فـ تاج السر بكتابه مرايا ساحلية الصادر مؤخرا عن المركز الثقافي العربي في بيروت انما ينشىء تأريخا مجاورا لتأريخه روائيا ليست مرايا ساحلية تتمة لما مضى، فهو بداية لسيرة ذاتية كان بإمكان تاج السر ان يهبها نوعا من اللمعان لو انه اخفاها الى ان تعم شهرته عربيا، ولكنه كما يبدو لي يرغب في ان يتحرر من ذاكرته وان لا يغص بتفاصيلها. فعمد الى استحضار مادة طفولته المشهدية ليتخلص منها في كتاب واحد، لذلك كان هذا الكتاب مشهديا، انه يرينا الوقائع والمصائر مجتمعة يدخلنا في قلب الحياة ليخرجنا منه بالسرعة نفسها، وهو ينظر مثلنا الى مساحة تأمله بحياد بارد.

أبطاله، هذه المرة، يستجيبون لاقدارهم وكأنهم يمارسون لعبة مرحة يخرجون من عتمة الذاكرة ليتمتعوا بحياتهم مرة أخرى ولكن على ضوء شموع الروائي الذي اختار هذه المرة حياته المباشرة موضوعا. فهو عن طريق هذه العاطفة اسقط عن ذاته دفاعاتها، ولم تعد أية خيانة مجدية. لا خيانات الكاتب ولا خيانات الحالم، يستسلم تاج السر هذه المرة لذكرياته المباشرة راغبا في الوصول الى لحظة صلح مؤقت تكون طفولته خلالها في منأى عن اي تأويل. هو ذا يقدم طفولته صريحة، ولكن من خلال ما تراه. الروائي فيه لا يكف عن النظر. وهو لا يرى الا بتأثير هاجس إدراكي، وكأنه يرغب في ان يضعنا في قلب احتمالية ممكنة. هذه الاحتمالية التي ينطوي عليها مصير كل فرد. نساؤه ورجاله. صغاره وشيوخه، عقلاؤه ومتهوروه، يتوقعون دائما ان يعيشوا شكلا آخر لحياتهم شكلا يمهد لبقائهم الوهمي: أبطال روايات.