Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

 

فصل من صيد الحضرمية

كان صيدا وعرا ( لحورية أزرق ) .في ذلك الصباح .

فمنذ شمَّت تفاصيل الغريب في سوق البلدة ، لم تفارقها حكة الجلد ،ولا عتمة العينين، ولا ارتعاشة الجسد،وبدا صداع ( الميجرين) البربري الذي هزمته منذ عهد ( علوب)، يتقافز، يجمع عدته وعتاده لبناء مساكن في رأسها مرة أخرى .

كان يسأل عن( تمباك عماري) وارد ( الفاشر) في غرب البلاد ،يعيد إلى الرأس المضعضع بعض التماسك ، وكانت تسأل عن سجائر( كنت ) أنيقة و مهربة ، لتغسل الرئة من وسخ سجائر ( البرنجي ) المحلي الصعلوك .التقى السؤالان عند( شاطر) تاجر المزاج المرموق في البلدة، ركضا إلى أذنيه معا، تعارفا .. واحتكا في الطريق ، ثم عادا ممتلئين إجابة معا . فجأة عطس الغريب .. آتشوم .. رائحة في(التمباك العماري) وارد ( الفاشر) ، فحلة وقوية يعرفها المزاجيون، اندلقت إلى خياشيمه ، قبلت المزاج المضعضع حتى عطس، أحست بعطاسه غريبا .. أجنبيا.. ومهربا، أيقظ أشجانها القديمة، ، بعث فيها نشاطا طاحنا ، وجدة مدهشة . أحبت عطاسه بتهور ، وجادلت في السعر المهرب لمزاجها ، وهي كاذبة لتطيل وقائع الحب والدهشة.عطس الغريب مرارا ، وتهورت مرارا ، وبدت وقفتها وهي حاضنة لأناقتها المهربة وذهولها المباغت ، وقفة ركيزة من صخر ..

كانت أربعينية بشعر مصبوغ ، وحناء متقنة ، وجسد رشيق الشحم ، ورائحة طلح معتق ، وعينين رممهما كحل استفزازي ، وأوقدهما ناعستين ، وكان أربعينيا آخر.. كانت من دماء البلدة الأصيلة، حقنت في عروقها نطفة ،وترعرعت في جسد البيئة ، وكان دما جديدا.. استخلصته وزارة التربية من إحدى قرى الشمال البعيد، وحقنته في عروق البلدة مدرسا ابتدائيا لمواد العلوم والدين والجغرافيا . لم يكن ( أعمش ) لكن نظارة الشمس فوق عينيه،كانت توحي بعمشه ،لم يكن واهن الجسد، لكن وهن الغربة والسفر والوساوس ، كان يتقاذفه .. لم يكن أصلع الرأس ، لكنه يخطو إلى الصلع بجدارة، لم يكن أنيقا ، ولا جذابا ،ولا لامع الحذاء ، ولا أهلا لليالي الطيش في بلدة جانبية ، لكن ( حورية أزرق) لم تنسه أبدا، في ذلك الصباح جردها من نعمة الرسوخ السني..انكفأ عطرا شماليا خطرا ..تكوم في رأسها وعينيها ، وصدرها ومرفقيها ،ومسار تقلباتها لثلاثين سنة قادمة .كانت تحسه في كل نفس من ( الكنت) المهربة ، تعصره في صدرها، وتجسه بأناملها ، وتعد الفطور والقهوة، وشاي الحليب الكامل الدسم، دون جوع أو عطش أو مروءة.. كان الصباح معلمها في الكسل ، أمدها بنسيم قوي ، وظلال وارفة وسيمة تعودت على مغازلتها و الاسترخاء فيها منذ أمد ، وعلمها الفجيعة والبسمة في آن معا ، وطوال أربعين عاما ، تعاقب فيها الحلو والمر ، والناعم والخشن ، والباكي والمقهقه ،والمستقيم ، والمعوج ،من طيش الغجر ، إلى كفالة الحضارم ، إلى (قبر قبرسلاس) .. و (علوب )، و (شاشوق ، و (الأتمني ) .. لم تقل لصباحها الأستاذ.. أف .. ولم تنهره .

  1. أف .

  2. اقتلعت شتلة لليمون كانت تنمو يتيمة في فناء البيت وكانت أثيرة لديها..ألقت بها إلى الخارج .

    نادت على صبي للجيران كان يلعب( الحجلة ) بقربها.. دغدغته في أحشائه،وقرصته في صباه. صفعته بصفعتين قاسيتين من وزن صفعات ( أم دلدوم ).. وأفلتته إلى أهله باكيا .

    نادت على امرأة جارة كانت تناديها من حين لآخر .. تملأ بها فراغا في الإنس حين يغيب خادمها ( الغشيم ود كرو ) ..تجلسان في ظل الصبح جارتين متحابتين،وتفترقان جارتين متحابتين أيضا . شكت للجارة من نظرات زوجها الوقحة، وهيجان عيالها المشردين،وبصاق أمها الذي لا ينقطع أبدا ، برغم أن الجارة كانت بلا زوج ، ولا عيال ولا أم .

    تذكرت أبناءها الذين لم تلدهم من أي رحم..وإخوانها الذين لم تلدهم أمها الغجرية،وأزواجها الذين تزوجتهم بالفعل ، وفارقتهم بالفعل.حنت إلى ركود (حضرموت ) الذي لم تره سوى خيوط ممزقة في أحاديث أجداد ماتوا ،و إلى ( هندوب الأتمني ) عطارها الشرق أفريقي الذي أصلح ما أفسده الدهر ، ودغدغته التي شغلت الرأي العام لحواسها لثلاثين شهرا ثم ذهبت .

    بحثت عن ( الغشيم ود كرو ) خادمها الثلاثيني اليتيم المعتوه ، والذي ظلَّ يرافق تقلباتها لعشر سنوات مضت ، مستبدا في الخدمة ، وقصابا ، يكسر ضلوع السكون و الوقت ، ويخترع الأشغال الشاقة اختراعا .. فلم تجده ..يا غشيم ود كرو.. يا غشيم ود كرو.. قالت في نفسها ..لابد أنه في جحر من جحور البلدة .. يعلم مزارعا كيف يغضب، أو مراهقا كيف يحب ..أو جدة كيف تمشي بعكازين .

    تسللت إلى مرآة مصدعة ، وفستان أخضر من قماش ( الباتستا )، وقارورة من عطر( سودان اليوم ) الشديد العصبية والنرفزة ، ومكياج مفضوح بلا أخلاق من واردات ( ويلا ) ..، كان تسكعه في وجوه الريفيات في تلك الأيام ، يجر الخطوات والمطاردة .. والألسنة والحواجب الرقاصة، ويغذي بطون المجالس ومقاهي النرد ، والكوتشينة بعلف لا ينتهي . لكن تسكعه على وجهها شخصيا لم يكن يعني شيئا لأي شيء .. كانت أشبه بمقامر مسكين يلقي بضياء عينيه وهو خاسر. وضعت قدميها على كعب عال زادها سنتمترا مرفها ، وانزلقت إلى الطريق .. كانت الرمال تلعب بمشيها ، الذباب الريفي يحتفل بوجهها بطريقة فجة ، الجارات يكوينها بالنظرات في الظهر ،وعيال البيوت الراكدين على رقة الصبح يتفحصونها ببله . ستعود إلى منبع العطاس لا محالة .. وستنتصر في حرب لا تعرف حتى الآن كيف ستشتعل ، وكيف ستنطفئ .. عرت شعرها قليلا ، فبانت ضفيرتان مودقتان .

    استقبلها( شاطر ) تاجر المزاج المرموق ،أمام دكانه بنفس وجهه التاجر، وعينيه البياعتين ، ورفوفه المحقونة بالسلع والمعلبات ، والأقمشة ، وخزانته الخضراء العصية الفتح ، وصبيه المترَّب الذي كان لا يزال يطارد غبارا متماسكا على رفوف كاسدة ، لم يكن( شاطر) يحبها أبدا ، لكنه كان يسترضيها..يطوع لها بؤرا كذابة في الشعور تلمها بإتقان..وتخرجها إلى لسانه المتورط أمامها أرقى زبونة في البلدة والبلاد المجاورة . تذكره بتشرد عطشان مارسه طويلا، ووظيفة مملة في الميناء،ارتزق من مللها وهو مراهق ..تذكره بساعته ( الجوفيال ) القديمة .. التي اقتناها من إحدى الدلالات في المدينة ، وتلفت من ماء كثيف ، وقصة عن فرعون وقلة عقله .. قرأها وهو في الحادية عشرة في أحد كتب المطالعة .. يعرف لسان الشبق في حلقها إذا استيقظ، وهب ،وصوت الرعد في ذات الحلق إذا قطع حباله وهرب، يعرف حبالها المتمكنة من نشر الغسيل القذر، ووصولها الغير عادي الذي نز ذات يوم حتى العاصمة ، دخل قصر الرئاسة الغارق في الضوء والنعمة، وخرج محملا برائحة الرئيس وتوقيعه،ودردشته،وضحكاته المستلذة ، وأوامر مباشرة إلى آذان ضباط المجلس البلدي بمنحها بيتا، وتموينا ، وحظوة .. طلباتها عند شاطر كانت معروفة وسهلة ..وتتكرر عدة مرات في الشهر سجائر الكنت المهربة إذا وُجدت ، والأناناس الماليزي المقطع إلى شرائح، والملح والشطة ، والبخور والفحم. والعدس ، والفاصوليا ،وربما خيوط وزراير،وفي أحيان قليلة كانت تسأل عن دهان الشعر ماركة ( زكس ) .وشامبو ( البانتين ) المزيل للقشرة ، وصبغة ( بيجون ) . كان يحضر أغراضها تلك من رف داخلي يحتضن عددا من الكماليات غير المطروقة في حمى الشراء الريفي ، ومكتوب عليه بخط التجار المكسر.. رف الحضرمية عند الضرورة . وحين عادت في ذلك الصباح وتسلق وجهها، وفستانها ومكياجها، ونرفزة عطرها ، ولمح بقع ( الأرتكاريا)خليعة على يديها العريضتين ، أيقن بقرصة شديدة من تفكيره، أن الأربعينية المعروفة بسخاء الشهوة ، وتنقية المزاج ،وإيقاد مجامر الهوس ،إنما عادت بقلم الفجيعة لتوقع على جسد جديد ..

    لم يكن قاضيا ولا شرطيا ، ولا نشالا ، ولا مواطنا تمنحه الدولة وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى ،ولم يعد يعني له الإصلاح الاجتماعي منذ وقت بعيد ، أكثر من ثرثرة مملة لمتعلمين ثرثارين،لكنه يستطيع أن يبيع ويشتري،ويفاوض ، ويحلف، ويحلق ذقن الشيطان لو كانت له ذقن ، كانت تجارته هشة البنية ، والآن مفتلة ، كان وجوده في البلدة غربة مهدمة، والآن جيدة الأساس .كانت بؤر الاسترضاء في شعوره نائمة فأيقظها..أرسلها إلى اللسان طرية ، وطاعمة ..تحول إلى الأربعينية بحضور تاجر رأسمالي، لعق أسئلتها قبل أن تقدم له . قال..

  3. اسمه عبد النبي سمارة .. لقبه عبده كورة ..جاء من ضواحي (دنقلا) في الشمال .. متزوج وعنده أولاد..يعمل معلما ابتدائيا .وصل منذ يومين فقط، يسكن في استراحة الحكومة .ويشجع اللعبة الحلوة .

  4. سقطت السيرة الذاتية للمدرس الغريب على أذنيها بعنف أخاذ مجلجل،ضاعف من جريرة العمر الوقور..أحاله إلى عمر مراهق .. توغلت في ( التاجر ) المتعاون لثانيتين فقط ثم شتمته..شتمته بجمل كذابة للغاية طليت بماء الصدق ، يعرف جملها الشاتمة الحقيقية، رآها تخرج من عنده بغضب راض مطلي بماء عدم الرضا ، يعرف غضبها الحقيقي جيدا ، تضرب وتجرح ، وتقوم وتقع ،وتبث هستيريا غريبة ، ولا تترك بؤرة الفوران حتى حضور أكبر جمهرة فضولية، وأوسع آذان ريفية ، و أعتى سلطة محلية ، في إحدى المرات طالبها بجنيه مستدان، استدانته بنعومة ، و ركد في تناسيها لعدة شهور ، ولم ترده .. قال .. جنيهي يا بنت أزرق.. أحتاجه لتكملة نقود صفقة .ذلك اليوم استيقظ غضبها الحقيقي كاملا ، وقعت وقامت ، وتهسترت مدت لسان الشبق حتى القاع ، وأيادي الأظفار الطويلة،جرحته في مواضع كثيرة ، كان أوجعها وجهه الأيسر الذي لا ينام إلا عليه،وكان في ذلك اليوم دائنا بلا أمل في سداد دين،مسجونا في سذاجة الشرطة الريفية ..،مؤرقا ومحمولا على شماتة البلدة. وحين أراد صديقه ( المحجوب ) صائغ (بربر ) الشمالي أن يدخل إلى المعضلة مدافعا ، ويلطمها بلسانه ، اخترعت خربشات على جسدها الرشيق الشحم ، نسبتها إلى أظافره التي كانت مقلمة ومصقولة ، ولا يمكن أن تعض وكانت فديته في ذلك اليوم خاتم ثعباني من ذهب حر نقشه بتذمر ، وقرف ، وتحت وابل من رصاص عينيها ..

    وفي السنة التي سميت بسنة ( الضرر ) نسبة لخمول المطر ، وعنوسة الأرض، وارتداء الريفيين لحلل النحافة، والوسواس ،وسوء التغذية ، وبلوغ عدد الأرامل والمطلقات،والعازبات معدلات تنذر بالبصق على وجه المجتمع ، ظهر ( هندوب الأتمني) سليل قبيلة الأتمن الشرق أفريقية ، كان قادما من خضار (كسلا )، وأمطارها ، وهوائها الذي ينعش الروح ،كان يحمل وجها شاعرا ، وجسدا فارسا،وقلبا سلسا،ونبوءة معقدة لعجوز( أتـمنية )في بلدته صهرت احتماله،ودحرجته عاشقا مجنونا حتى تلك البقاع ، و كان يحمل مهرا لامرأة.قالت العجوز ..وهي تعترض فروسيته ، وشاعريته..وتدس في قلبه جنينا معقد الملامح..

    _ ليلاك عند العمدة ( ود جقور ) .. ليلاك ( سكر البيت)..الحقها قبل فوات الأوان ..لأن عدد خطابها أكثر من شعر رأسك .

    تجهز بعادات صحرائه القاسية ..وركب جناية العشق التي قدمت له على الفور..كان مجروحا في الصميم ،طاف بالريف الوطني عشرين شهرا أحلاها أمر من المر، تعرف على ( ود كلي ) و ( ود التاج ) و( الشريف الضو )،و (الميرغني) ،و( عمران ) و ( العوض).. وسبعة آلاف عمدة آخرين عاضين على عموديتهم ، أو مفلتيها ،كانوا يهذبون سفره المبعثر إلى حين ، يهدئون صراخ مصارينه بالزاد ، ويرسلونه إلى الطرق جديدا لسفر جديد .. وفي إحدى المحطات الناشفة حتى من مياه الشرب، والظل والرحمة التقى بالرحالة المقعد ( حاكم عذابو) الذي كان يطوف البلاد في ذلك الوقت مستندا على إرادة وعرة،وزاد قليل ، ومقعد متحرك، استعدادا لإحدى البطولات المقعدة عالميا.. تقيأ الأتمني مأساته كاملة في أذني الرحالة حتى جذور السمع . كان يلهث ، ويبكي ، ويطرقع الأصابع ..وبين الحين والحين يشهق .. يا سكر البيت ، وحين انتهى ، وضع الرحالة على كتفه يدا قاسية الشعور ، وعلى عينيه كحلا أحال سهادهما إلى سهاد فرح .. ألبسه وشاحا مخمليا رثا أخرجه من مخلاة قديمة .. كان واحدا من وشاحاته الكثيرة التي حصل عليها في تنقله الطويل .. سماه وشاح العشق ، ودلاه على صدر العاشق ..ثم قال وهو ينظف أذنيه من قصة العشق ( الأتمنية) ، ويشعل سيجارة من تبغ ركيك ..

  5. تغديت عند العمدة ( ودجقور) في أحد الأيام البعيدة ..سأدلك عليه .

  6. ثم زوده بعدة رموز ، ومصطلحات ،وجمل راطنة ، وعلامات طرق قابلة للنسيان ، والتهام المطر ..ورسم كروكي غاية في الشماتة، بالقلم الرصاص يمثل العمدة ( صابر ود جقور).. عمدة البلدة الضبابية ،كما هو موجود في ذاكرته المقعدة.

    وصل ( الأتمني ) إلى البلدة والنهار يجرد شمسه من لهيبها الوقح،ويحيلها إلى حمار خابئ..يعشقه الشعراء ، مر بالفضول المحلي غير آبه بالصبية والحمير، وأمهات الصبية، وراكبي الحمير ،واستفسارات صائدي الغرباء الذين اصطادوا غرابته وتسلقوها بعنف.. توجه إلى مقر العمدة المرفه في وسط البلدة مباشرة ، دون حتى أن يشفق على سفره،ويبدل قميصه ، وأن ينظر إلى ساعة الحائط المتربة التي كانت تشير إلى وقت من أوقات تعكير المزاج ، قال مادا فروسيته ، وشاعريته ، وسلاسة قلبه ، وكاشفا لنبوءة العجوز .

  7. أنا ( هندوب أركة الأتمني ) .. جئت من غرب ( القاش) لأتزوج ( سُكَّر البيت). دقوا الدفوف ، وانحروا الخراف ،وعلقوا الزينة ، وجيئوني بها..

  8. ثم دعم هذيانه بعدة قطع من الذهب ، وجنيهات صحراوية مشوهة الأطراف ، وملابس أنثوية من حرير خامد ، وإحدى قصائد الهجر التي لملمها من جوع سفره الطويل ، والتي كانت قاسية بالدرجة التي يمكن أن تقتل أي قلب .

    حك العمدة الذي أرهقته العمودية ،بجلاء الغامض ، وصيانة الأعراض ، وحل المنازعات القبلية والعشائرية.. ومغازلة السلطة الإقليمية والعاصمية من حين لآخر، رأسه بشدة، ظن ( الأتمني) الفارس مجذوبا من مجاذيب بلدة مجذوبة ، أرسلته الخيالات الجانة ليعقد سيطرته على البلدة ويضيف إلى إرهاقه المزمن أوجاعا جديدة.في حياته الفسيحة صادف العمدة الكثير وتشذب بالكثير ،وتمكن بعد أكثر من ربع قرن أن ينعس ، وأرادب من المال تحت وسادته ..لكن عقارب اللدغ لا تتوقف،والثعابين بمزايا تغيير الجلود تظهر في كل حين ..ألقى على الأتمني الفارس نظرات مدببة ، وجارحة ،و ساح في أرامله ، وعانساته ، وفتياته الأبكار ، وطفلاته الرضيعات في الأثداء أيضاَ ،بحثا عن ( سكر البيت)، لم يجد للبيت سكر أبدا ،مال على جلساء هزليين وملاعين ، ومقطوعي أصل، من صميم أهل البلدة كان يوظفهم لنفخ الجلسة، وصيانة الهيبة ،و تقصي الهمس مهما همس .. قال ..

  9. هل توجد امرأة في البلدة اسمها سكر البيت ؟.

  10. قالوا ببساطة الذين يجيدون ملء وظائفهم ،ويقبضون على الهمس مهما همس..

    - ..نعم ..إنها حورية أزرق ..

  11. الحضرمية ؟

  12. بعثر العمدة عمامته ( التوتل ) المشجرة على رأسه ، وملامحه الملتمة عنادا،وثقة على وجهه ، لتلائم عرق الذهن الذي كان غزيرا وباردا ..أطفأ سيجارة مزاجية هي سيجارته الثالثة منذ ولد، ودون أن تلدغ رأسه سوى لدغة واحدة ..أخرج ساعة للجيب كانت ذهبية ولامعة ، حدق فيها بلا تركيز .

    قالوا .. نعم .. منذ عدة أشهر ولقبها كذلك .

  13. من لقبها ؟ .

غاص العمدة في سكة الاستفسار أكثر ، وقد أحس بأعراض مرض ( عرق النسا ) الموروثة في عائلته ،تزحف على ظهره ووركه الأيمن بلا هوادة، كان يعرف آداب التسمية والتلقيب في البلدة ، وشارك منذ ( صبينته )المبكرة في تلقيب الكثيرين ممن أصبحوا الآن بلا أسماء حقيقية.. الخنفس .. وجملكة ، والغراب..وشلاضم .. هؤلاء من إنجازاته التلقيبية التي لم يهزها الزمن . يعرف أن حبكة اللقب أهم من شرب الماء،ويعرف أيضاَ أن لقبا وارفا وظليلا كسكر البيت لا يمكن أن يمنح( لحورية أزرق ) خلطة الغجر بالحضارم،حتى لو جاء في مرسوم حكومي ،كان متزوجا من منصبه العمودي منذ كانت البلدة غبارا ورملا ، والناس رحلا بادين ، ومقبلا على الزواج الأصعب من منصب أرفع شأنا في اللجان الشعبية الحكومية في إقليمه ، وكان وجود لقب هام كهذا في بلدته، وحول عينيه وأذنيه ،ودون أن يعلم به ،أو يوقع على استخدامه يعد نقيصة قد تؤثر على عافيته الخاصة،ومزاجه الصافي، و زواجه المرتقب من اللجنة الشعبية الحكومية.

قال المستشارون ..بصدق الذين قد تفوتهم شاردة ، ولا يلحقونها

- لا ندري ... صحونا في أحد الصباحات ووجدناها سكر البيت .

وتحلقوا حول الأتمني ، يلحسون غرابته ،

الآن ( صابر ود جقور ) ، مبعثر الدم ومستغرب إلى حد متعة الحساد..كانت الحضرمية غافية في قيلولة مريبة ، في رأسها أحلام موردة ، وفي جسدها عرق عاشق ، وحول فراشها جيوش من النمل تلحس دموع الجسد كما تلحس السكر .،قذف أحلامها بأحد جلسائه المعتادين على إعاقة الأحلام في أي وقت، استدعاها إلى جلسة الدهشة والاستغراب والتبعثر استدعاء خشنا،أجرى تحقيقا مهلهلا وبليدا،وغزير الأخطاء، كانت نتيجته مزيدا من النغز ، والزحف غير المريح ( لعرق النسا ) على ظهره ووركه الأيمن ، كانت ممسكة باللقب بجنون،وكان اللقب نفسه ملتصقا بها بجنون، يقاوم كل محاولات استخلاصه،كان العمدة من فرط إعجابه باللقب قد استكثره عليها .. تخيله ظليلا على زوجته ( العافية ) التي كانت سكرا ناعما في بيته وأنفق سبعة عشر عاما في محاولة تلقيبها ، فلم ترض بأي لقب .. بلح الشام ، والمبروكة ، وستنا الغالية ، فلفظتها جميعا .. تغلب على أعرض( عرق النسا ) بمشقة و زوجها للأتمني الفارس بوجهها الباسم الذي عليها،وملابسها المزركشة التي عليها أيضاَ ، ودون أن يعطي حتى فرصة لليل أن يرخي أستاره،ومنظمي الحفلات أن ينظموها،والطبول أن تسخن على النار، وأصوات المغنيات أن تغسل ترسبات النحنحة والحشرجة ، واكتشف العمدة بعد ذلك بعدة أشهر وهو عريس في منصبه الجديد في اللجان الشعبية الحكومية ، أن( الأربعينية ) كانت قد رأت ( هندوب الأتمني ) في لقطة أخاذة بثتها لجنة ( حماية القيم ) في شرق أفريقيا،ودخلت إلى البلدة في متاع عاصمي زائر ، تصور اللقطة ( هندوب الأتمني) الفارس المعروف محليا، باركا على يديه وركبتيه يعطف على عدد من السحالي والفئران وديدان الأرض،اشترت اللقطة من العاصمي بقبلتين ناعمتين ، ووعد كاذب ، و سافرت إلى منبع العطف سرا وهي مأخوذة ، لقبت نفسها بسكر البيت،ورشت عرافة أتمنية ذات نفوذ تنبوئ ، ثم عادت إلى البلدة لتتزين وتقلق وتنتظر. كان في قلبها اشتهاء مر ، وفي حواسها تأقلم هستيري على العيش زوجة لفارس من شرق أفريقيا .

كان ( شاطر ) في ذلك الوقت تاجرا صبيا يتمرن على تفتيل التجارة، وتربية عضلاتها، جاء من الشمال مساعدا في باص سفري كان ينقل السفر والهجرة ، والتفاهات بين الشمال والشرق ، ولصق بالبلدة عفريتا بمائة حيلة .عمل حطابا ، وسقا، وبائعا متجولا ، وانغرس في السوق بعد جهد جهيد . كان دكانه في وسط السوق رفوفا شحيحة المواد، خزانته الخضراء العصية الفتح ، خالية الذهن في معظم ساعات اليوم ، ودفتره المقيد للديون لم يكن بتلك الذاكرة القوية . كان دكانه ملتقى للشعراء، واللصوص ، والشحاذين ، وذوي التدخل المباشر والوقح في شئون البلدة ، كان يزودهم بخامات المزاج ،من سجائر و ( تمباك ) ، وحلوى ، ويترك لنشوتهم التقيؤ، عله يعثر في القيء على حيلة تاجرة تغرس في تجارته عضلة جديدة.أخبره الجلساء في أحد الأيام بنزوح ( الأتمني ) الفارس إلى البلدة وزواجه المتعجل،و غير الميمون من حضرمية الشبق، والتي غادرها ثلاثة أزواج في ذلك الوقت وهم حليقو النعمة والمكانة.. قبر قبرسلاس .. شاشوق ، وعلوب الحضرمي. اغتاظ بشدة دون مبرر، واستغرب من غيظه الشديد لكنه لم يستطع إسكاته ،لوى شفته ، وشوه لسانه.. انقاد نحو العروسين في أمسية ناعمة ،وهما يحلقان بأجنحة العسل الضبابية ، شتم الأتمني وقبيلته ، وأهله الرعاة ، ونبوءة عرافته الكاذبة . وقال للحضرمية في هياج وثقته البيئة بمائة أذن..وعممته على الناس كافة .

- يا تيراب الغجر .. يا فاسقة .

في اليوم التالي كان بلا تجارة ، جاءته الحضرمية في صباح الرزق مثل سيل وغد.. جاءته بضغينة ملسوع من عقرب ..وملدوغ من ثعبان ، ومقروص من نملة مجنحة ،استلمته لسبع ساعات رائجة مهسترة ،علقت في ذهن البلدة لسنوات ولم تشفع لديها حتى شهادة متخصصين في طب المساخيط أقسموا أن شاطر مسخوطا ، وخمارين كاذبين أقسموا أنهم باعوا لشاطر خمس قوارير من خمر البن المهيّج في يوم تعديه على عسلها ، مزقت زبائنه ومعاملاته ، وقروضه المستحقة والمؤجلة ، واحتاج إلى عامين آخرين كي يتنفس من جديد.

راقبها ( شاطر ) وهي تتوجع في الطريق تقتلع كعبها العالي وتغرسه ، وتطوح بخصلات شعرها المودق يمينا ويسارا ، رأى عدة نساء يكلمنها ، ورجالا في ضحالة الطين ينعقدون في حبلها وينقطعون ،ورأى السوق الصباحي كله يلعقها ويكاد يقضي على زينتها المبهرجة.. اكتأب لدقيقتين فقط ، فكر فيهما أن يلحق بمشيها المتوجع، ويطرحه أرضا ، يمسك بسبيب شعرها العاري ، ويحيله إلي نتف ، تذكر ساعته ( الجوفيال ) القديمة ، ووظيفته المملة في الميناء ، وفرعون وقلة عقله ، وحين خرجت من حدود نظراته،واندرجت في حدود نظرات أخرى ، ضحك في وهن قلق وعاد إلى بيعه الذي بدأ يشتد .