|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
فصل من عواء المهاجر مع مقدمة للدكتور حسام الخطيب
أيّ سر ؟
يخبئه تاج السر
د/ حسام الخطيب
في روايته هذه ( عواء المهاجر ) ، يتقن أمير تاج السر أيما إتقان لعبة الخفاء والتجلي ، أو الكر والفر ، أو التصريح والتلميح . إنه لا يقف في منطقة الأعراف ممسكا بالعصا من الوسط ، فلا يتهمنه أحد بالتوفيقية أو المصالحة ، وإنما هو هكذا موجة تطغى وأخرى تنحسر ، والمشهد بينهما رجراج غائم سابح ، كأنه بحر الحياة الذي يحسبه كثيرون صلبا ملموسا ، يابسا ، ولكنه يتكشف دائما عن ميوعة وسيولة ، وتداخل ، بحيث لا يرى شئ من شئ
ولكن بحر الحياة ليس رجراجا فحسب ،بل هو بحر ملئ بالأنس ، وفي الوقت نفسه مفعم بالوحشة ،فيه الأمان وفيه الفزع ، فيه الاطمئنان وفيه الرهبة ، وهو حلو .. مر ، وهو زاخر بالغنى وزاخر بالفقر ، ويعلو سطحه زبد كثير ، وتختبئ في جوفه كنوز .
في وسط هذه اللجج المتضاربة يضيع أي إنسان متمكن ، فكيف بعبد الكريم المهاجر ، عبد الكريم المشاكل ، عبد الكريم الهامش ، عبد الكريم الذي ذاق مرارة الظلم ، وتقلب في البؤس وشق طريقه في درب الأشواك بألف حيلة وحيلة .وغطس في ألغاز النساء ..نساء الفقر ونساء العبث ، ونساء الزار ، ونساء الختان .
تريد رواية أمير تاج السر أن تقول أشياء وأشياء ، ولا تقول شيئا محددا بالذات ، ولكن كل سطر منها ينضح بمأساة الإنسان مع قومه ، ومع مجتمعه ، ومع مصيره ، ومع نصيبه من الدنيا ، ومع فلقته الأخرى ( الذكر والأنثى ) ، ومع اسمه ، ومع انتمائه ، وممع صحبه ، ومع حكومته ، ومع رجال أمن الدولة .ولا ننس جسده ، فالمؤلف طبيب ، وهو يعرف أي عذاب يقع تحت سياطه الإنسان، حين يلم به مرض أو تتآكل أطراف جلده ، أو تنخر عظامه ، أو يحز لحمه جرح، أو تخترق أحشاءه رصاصة .أو حتى حين يداعبه من أسفله باسور ، أو ناسور..وما أدق ما يصور الطبيب الخبير إنسان الجسد المريض من أكبر داء إلى أصغر شكوى
( أحس بالغنى والفقر ، وفكر في ( ناسور ) ملتهب ، أو ( بواسير ) معقدة ،أو نزلة معوية . كان الناسور ملتهبا منذ عهد ، البواسير معقدة ، والنزلة المعوية أصابت ضياعه وهو طفل )
وفي حياة عبد الكريم مباهج أو ومضات من مباهج ،ولكنها تبدو زائفة ومصطنعة ، ومؤقتة … وهكذا تكون لوحة عبد الكريم ، لوحة معاناة مصيرية ، من أي النواحي أتيتها ، فالعذاب لجتها والبؤس قعرها ، والحيرة ساحلها
ولكن عبد الكريم ليس وحده ، إنه جزء من منظومة فيها رجال ونساء ، وأطفال ، إنها معزوفة بؤس متكاملة ، ولكن الحياة تسير وتتحرك ببطء .. نعم ، وبغرابة ، نعم ..لكن أهم من ذلك كله ، أنه ضياع شامل ، يلف دنيا الفقر ، وقد لا ينسى دنيا اللافقر
( يطفو الضياع على ليل المدينة فلينا غامقا ، وسحابة حمراء ، تنجو الأحياء الفقيرة بحماية الفقر القوي ، وتسقط الغنية برعدات الغنى المخنث )
وفي هذا المقطع المقوس شئ من التصريح ، ولكن المسألة ليست كذلك . إن مناخ الرواية هو مناخ شعبي ، حافل بكل الأشكال والأنفاس ، والحركات والألوان ، وكذلك حافل بالمصطلحات الشعبية في السودان ، وبعضها يمكن تخمين مدلولاته من السياق العام للكلام ، وكثير منها يحتاج إلى أن يستوطن القارئ في الديار المفترضة للرواية خمس سنين ، ويعيش أجواءها حتى يحس بمعنى بعض المرددات الشعبية ، ونكهتها ، وإيحائها ، وفي رأينا أن هذه المشكلة من مشكلات الرواية ذات المنحى الواقعي ، ستبقى دائما معلقة في الفضاء ، فالتركيز الشديد على اللون المحلي لغة وتوصيفا ، يخدم في رسم إطار اللوحة ، وبعض تضاريسها ، ولكنه يحتاج إلى قارئ ذي استعداد مسبق في اللغة والتجربة ، حتى يستطيع استيعاب الرسالة المفترضة .وفي نفس الوقت يمكن أن يؤدي الابتعاد عن المرددات المحلية الخاصة جدا ، إلي إفقاد الرسالة توابلها ن وحديتها وإن كان يوفر تفاعل ندرج أوسع من القراء .
على أن من الصعب أن تصف رواية عواء المهاجر بالواقعية هكذا دون تحديد.. إنها واقعية تموج وتترجرج كما سبقت الإشارة ، وإنها لتطفو أحيانا ، وتتصل أحيانا بالأسطوري والمغيّب والبعيد ..وإنها بذلك لترقى إلي مستوى المحاولات العربية الجادة لتعويم المشهد الروائي على زوارق سحرية خاطفة الحركة ، ومناوبة اللمعان . نعم إنها واقعية ، ولكن فيها دائما ذلك البعد السحري الذي يبعد بالمتلقي عن الفجاجة والمباشرة ويحمله إلى الآفاق القصية ويترك له جانبا من حرية الاختيار والتخمين ، والتأويل .ويستعين المؤلف على ذلك بلغة مجنحة ، متحررة من كثير من الالتزامات المعهودة ، وطامحة إلى بلوغ أسرار الناس والأشياء
( استعر الليل أكثر ، داخت حانات السقاية وهي تسقي ، وطرق الغواية وهي تنزف المشادات ، داخت الطوارئ وهي تعمل ، والأقلام وهي تعبئ المحاضر ،هرول إلى نوم النائمة حلم مريض ، تبول على النوم حتى طمسه ، كمامة من الأوكسجين تلعق وجهها ، وأطباء عراة ونزقون يلعبون الورق عل جسدها ، صرحت فاختنق الخنجر المسروق ، بكى الجلد ، واحتمت الدوافع بالعقل المغيّب ، كانت الرعدة لا تزال حليفة ، وجغرافيا الرأس لا تزال مكتظة ) .
وتتوالى اللمسات الواقعية السحرية ، وتنثال وتتداخل ، ويحاول ( المتورط) مع تاج السر أن يقف عند نقطة ما ليلتقط أنفاسه ، ولكن البحر يموج ويهدر ويفرز ، ويبتلع ويترجرج ، وليس إلا الصباح وسيلة لإسكات شهرزاد عن الكلام المباح ،وغير المباح ، فلنقطع البوح بأمر الصبح ، ونترك لرهط الليل أن يتابعوا القراءة بعيدا عن تدخلات النقد وفضوله المكدر
إضاءة
هذه ليست قصتك يا عبد الكريم .. ولا قصة بائعة الشاي الجميلة .. ولا قصة الآخرين الذين آواهم هذا النص المسمى ( عواء المُهاجِر ) ، ولكنها القصة التي يمكن أن تكون قصتكم جميعاً .. تذكرني يا عبد الكريم .. تذكرني لأن آثار مشرطي وإرهاقي لا زالت موشومة في جسدك ..أنت أضعت علي غدائي وقيلولتي وصلاتي العصر والمغرب وعدة مرضى كانوا ينتظرون في عيادتي المسائية . على الجانب الأيمن من بطنك .. بمحاذاة السرَّة ، وممتداً من أسفل الضلوع وحتى حدود المثانة، يوجد جرح .. من خلال هذا الجرح نفذت إلى أحشائك واستخرجت رصاصة أطلقها عليك رجال أمن الدولة لسبب لا أعلمه لكنني أستطيع أن أخمنه .. أنت لست سياسياً ولا متظاهراً، ولا اهتممت بأسعار الرغيف التي تزداد يوماً بعد يوم .. ولكنك مهاجر ضال ولص عريق وهامشي لا يلفت إلا أنظار الأغبياء أمثالي ...
المؤلف
الفصل الأول
أدخلكم في العواء
جزء غير ساحلي في مدينة ساحلية .
يسميه المدينيون ( خور الكلاب ) بلا مبرر، وتسميه الأوراق المسجلة رسمياً ( ساحة المزاد) ، فيما مضى كان بساطاً ذهبياً من الرمل تفترشه بهجة العيد ، تنصب سنانير الرزق والأراجيح ، وألعاب ( الغربال) والطبق ،و(التنشين )،وعراك الدجاج، وينفق الصغار والكبار معاً ثلاثة أيام زاهية . وعندما جاع العيد، نفّض جيوب الخواء ، واقتصرت بهجته على القديم المستهلك،والجديد الممزق ، و اللمعة الفقيرة في عيون الصغار،و( كل عام وأنتم بخير ) ، قفز المزاد واستولى على الساحة بطريقة رسمية .رُتِّق الظل بأفرع النيم و( اللبلاب ).، ونبات ( العوير)،رُتّقت النسمة برذاذ الخراطيم،وجرادل المياه الضحلة ، بيع وشراء وبيع وشراء ..وقوافل من المال القديم تلقي برحالها وتذوب.. السخونة في الحكي .. الشعوذة في النداءات، التطرف في الجوع والشبع،والإفراز ،وحريفون يستبدلون أشياء بأشياء ، وأشياء بلا شئ .حتى مبيدات القمل،ومزيلات التجاعيد وفوارغ الأجولة ، وحبوب اللقاح ، والخصوبة،كانت تحلِّق، وسيارات الخدمة العامة المتقاعدة كانت تجد من يسندها و يمسك بيدها في آخر العمر . تلك الأيام كان (للعملة) رحم وكانت ولوداً ،كانت للشراء قوة .. وكان مفتّلاً وكان ( للقرش) صوته الذي يسمع في أقصى بقاع الأرض.وفي إحدى السنوات وعندما انتفخت حركة السفر وضاق جلبابها القديم الذي كان زقاقاً رثاً في وسط المدينة، يتمزَّق بالزحام،والأوبئة ،لم تجد السلطة المحلية أنسب من ذلك المكان لكسائها به . أُعفيت أشجار الظل من خدمة الظل بفظاظة ،والهواء الناعم من النعومة بفظاظة أيضاً ،مُزِّق الضجيج البائع والمشتري ، بالضجيج العابر والمسافر ، شتمت طيبة الرمال بوحشية الإسفلت ، وألفاظ المزايدين بألفاظ ( البم بام) والعصى المطاطية ، وجاءت الباصات والعوادم،والتذاكر،والنداءات المبهِّرة لحركة السفر .
في ذلك المكان كانت تجلس حواء والتومة وست الجيل . نساء في جفاف العمر واحتضاره ، لهن ذكريات صدئة ، وحواس مقضومة ، وعيال ماتوا أو هاجروا أو ينتظرون الطعام . ولدن في الساحل ، وتشلخن فيه ، وانتقلن من الزقاق الرث إلى ساحة المزاد كعقار مهدئ ونكهة شعبية، وطعم مالح مطلوب في بهار السفر .كن يجتهدن في عمل الشاى، يغلينه على مهل ويعطرنه بالقرفة والحبهان، والنعناع وروح القرنفل ، ويوزعنه في أكواب من الزجاج الأخضر والمشجّر ، متبوعاً بضحكات كهلة وغزل ميت ، وبدايات لسفاهات لن تكتمل أبداً .كانت نكاتهن ميتة ومكفنة ومدفونة ، وسفاهاتهن الناقصة أنماطاً تمخَّط عليها الزمن . وكان متذوقو شايهن على نفس الشاكلة،والدرجة ( المواطنية).. سائقي سفر ومساعدين، ومسافرين وعابرين وعاطلين وجدوا في الساحة شبقاً ومتعة. في الرواكيب الضيقة يستريح السفر ، ويعتدل المزاج ، يأخذ سجائر ( البحارى ) حصته الكبيرة، وتأخذ السياسة والكرة ، والمشاكل،ويقظة الأحلام حصصاً متفاوتة . كان السهر حاضراً،وكانت الشتائم حاضرة أيضاً… حاضرة من أجدادها الوقورين وحتى أحفادها الصعاليك. يزداد حضورها كثافة كلَّما هزم فريق كروي فريقاً كروياً، أو اغتاظ غيظ من غيظ ،أو انقلب حاكم على حاكم ، أو ترنح أحدهم في حي ( التل ) ذلك الطرف السكران من المدينة … وجاء . كان دور البائعات حيادياً وبارداً ، توفير الظل والنكهة والغزل العجوز ، والشهادة لصالح أرزاقهن إذا وثب الأمر إلى بعيد. كان الأمر لا يثب إلى بعيد كثيراً ، فسرعان ما كانت تكسر أجنحته،وتقلم أظافره ، ويمشي في الساحة مخنوقاً بالخانقين .وكان المزايدون الذين شتموا وانتزعت منهم المزايدة ، يأتون أحياناً ، يسألون عن خشب قديم ،أو حديد تالف ، أو جليسة للأطفال، أو لا شئ ، كان حنينهم يصفع بالضحك ، وريالاتهم السمينة ، تنحف سريعاً ويذهبون.
في نفس ذلك المكان تشاغب( حسن شَجَر ) ، أكل أذن مساعده المراهق وعضَّ مساعدته القيِّمة عندما هزم فريق ( النجوم) فريق ( الشعلة ) في دورى الدرجة العشرين المحلي، وتزيا المراهق بشعار البطل .. قميص أصفر من ( التيل ) عليه نجوم حمراء . في نفس ذلك المكان انكسر حسن شَجَر أيضاً، أُصيب بحمى العفن نادرة الحدوث، و جحظت عينا( مُختار الموت ) الملاحظ عندما أحرج الجالسون خفة يده، وأعادوا جنيهين فقط لا غير سرقتهما الخفة من جيب فقير وساذج. في نفس ذلك المكان سقط الدرويش، صديق ( كوبر ) الشيخ وصديق العالم السفلي ..الوزير السابق .. جامع النقود الفضة والنقود الذهب ومداوى أمراض الكآبة والحزن. اجتاح فيضان الضحك يوماً ما… وفيضان البكاء يوماً آخر ، قُسِّمت في نفس المكان ثروات لم تجمع، أخطأت خطايا ، وتابت توبات،نصب حكام لا يعرفهم أحد وأنجز ( عبد الكريم الفوراوي) مأساته.