Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web
 
مرايا ساحلية
- مناقشة خاصة بالنوع السردي-

د/ عبد الله ابراهيم

(1)

 

   اعتاد النقد ان يبدأ بعد التصنيف ، أي تحديد النوع الأدبي الذي يندرج فيه النص  على اعتبار ان تحديد الهوية النوعية للنص يمكّن الناقد من معالجته نقديّا في ضوء معايير وقواعد النوع الذي ينتمي اليه.اذ ان تحليل النصوص الأدبية لم يعد ممارسة فوضوية وانطباعية لاتهتدي بشروط تنظّم العملية النقدية ، انما على العكس فمنذ فترة طويلة اشتق النقد له جملة من المعايير يقترب في ضوئها الى النصوص ليقوم بفحص النظم الأسلوبية والبنائية والدلالية لها ،وذلك جزء من التنظيم الداخلي الذي يقتضيه كل نقد يطرح نفسه بوصفه حوارا مع النص ، واشتباكا معه ، ووسيلة لإستكشاف المستويات المضمره فيه ،ودلالاته المخبأة في تضاعيفه0ولكن هل التصنيف النوعي والإجناسي للنصوص أمر يسير أم انه بمواجهة نصوص تهجّن نفسها من انواع كثيرة قد اصبح مهمة عسيرة ؟ أضع هذا السؤال أمامي وأمام القرّاء وانا أحاول ان اقدّم مناقشة نقدية- نظرية لنص غامض الهوية للروائي السوداني أمير تاج السر ،وهو نص جديد وسمه مؤلفه بالعنوان الآتي: (مرايا ساحلية:سيرة مبكرة ). وكما هو ظاهر من دلالة العنوانين الرئيس والشارح فإن أمير تاج السر يضع نصّه في قلب الإشكالية التي أشرنا اليها،فهو من جهة أولى يعتبر نصّه مرايا تنعكس فيها تجربة الطفولة المبكرة في احدى مدن الساحل الشرقي للسودان، وبهذا فهو يكتب  منطلقا من الرؤية القائلة  بأن الأدب مرآة عاكسة للتجارب البشرية ، وهذا موضوع خلافي عالجته نظرية الأدب ،وشغلت به منذ أرسطو الى الآن . وهو من جهة ثانية يصرّح بأن النص ( سيرة مبكرة ) أراد به ان يصف التكّون المبكر له ، وهذا يقتضي ان يكون هو المحور المركزي فيه ، بمعنى أن التسمية تشترط ان يكون المؤلف هو البؤرة التي تصدر عنها وتتجه اليها كل مكونات النص، واقصد بمكونات النص هنا أمرين: عناصر البناء الفني من حدث وشخصية وخلفيات زمانية ومكانية ،والمكونات السردية العامة من راو وأساليب سرد ومنظور ورؤية وموقف وطريقة تشكيل للعالم المتخيّل في النص0والواقع فإن التدقيق في قضية مرآوية النص كما يريدها المؤلف،وقضية الهدف التوثيقي له باعتباره سيرة مبكرة سينتهي بنا الى نهاية مغايرة تماما لكل الإيحاءات التي يثيرها العنوان 0 ذلك ان القول بالوظيفة المرآوية للنصوص الأدبية نُقض منذ اكثر من قرن ، حينما اكتشف النقد عمق التباين بين العالمين: العالم الواقعي المعيش والعالم الخطابي المتخيل ، مع انهما يوحيان بالتماثل الى درجة يبدوان فيها متماهيين ببعضهما لدى المتلقّي العادي، الاّانهما شديدا الأختلاف فيما بينهما من ناحية المكونات والعناصر ، فالعالم الخطابي محض تشكيل لغوي يتكوّن في مخيلة المتلقّي بالقراءة ولاوجود له قبلها ، بل انه عالم خامد داخل الكتاب تقوم القراءة بتنشيطه وبعث الحياة فيه، فكيف يمكن اعتباره مناظرا للعالم الواقعي !؟0 أما القول بأن النص سيرة مبكرة فيصطدم بعقبات اكثر ، وفي مقدمتها المكون الحاسم وهو غياب شخصية المؤلف-الطفل إذ يعدنا النص بانه سيرسم لنا سيرتها كما هو مدون على غلاف الكتاب،وحضور رؤيته فقط وهي تسكشف ملامح منتقاة من الماضي0

     كيف لنا اذن ان نتخطّى كل هذه المشكلات النظرية الخاصة بهوية هذا النص دون ان نلحق به ضررا يخفض من قيمته الأبداعية؟ وقبل ذلك هل تحتاج القراءة النقدية الى إثارة كل هذه الأسئلة قبل ان تصل الى هدفها ؟ أما السؤال الأول فجوابه في رأينا انه لابد من تجاوز ماقرره المؤلف من ان كتابه سيرة ذاتية مبكرة ، وهنا ينبغي علينا ان نطرح تصورنا النقدي حول هوية النص كما نراه في ضوء جملة من المحددات والمعايير لنتمكن من خلالها استكناه أهميته وقيمته الأدبية. أما جواب السؤال الثاني فمؤداه ان القراءة النقدية تحتاج فعلا الى اثارة الأسئلة، لأنها تراها جزءا من استراتيجيتها في التعامل مع النصوص السردية. إذ لم يعد من المقبول ابدا تقديم قراءة ساذجة وسطحية لنصوص تقوم بتشكيل تصوراتنا عن انفسنا وعن العالم  بوساطة التمثيل السردي الذي تقوم به، وليس عكسه كما يظن الكثيرون . في الحقيقة ليس ثمة مجال لقراءة بريئة ومحايدة ووصفية ، فالقراءة التي نحتاجها ونحن نقترب الى النصوص الأدبية يلزمها ان تكون تحليلية وكشفية واستنطاقية تهدف الى ابراز القيم الجمالية ، وتأويل المستويات الدلالية ،واضفاء معنى على الأشارات التي توحي بها النصوص ولاتقررها 0

      إن نص( مرايا ساحلية: سيرة مبكرة) يندرج ضمن نوع سردي ثانوي مهجّن من الرواية والسيرة الذاتية يصطلح عليه ( السيرة الروائية )وهو نوع ثانوي Sub-genre ظهر حديثا بعد ان استعار مكوناته الأساسية من فنين عريقين هما : الرواية والسيرة0وكنا قد اكدنا في بحث لنا بعنوان (السيرة الروائية: إشكالية النوع والتهجين السردي) – مجلة نزوىع14/1998-الىان السيرة الروائية تدمج بين الروائي والراوي، فهما متلازمان ومتداخلان بصورة دائمة ومستمرة ، فالروائي يكون مصدرا لتخيلات الراوي، فالكيان الجسدي والنفسي والذهني يشرّح، ويعاد تركيبه لأن هذا النوع من الكتابة يوفر حرية غير مقيدة في تقليب التجربة الشخصية للروائي ، واعادةصوغ الوقائع واحتمالاتهاوكل وجوهها دون الخوف من الوقوع في اسر الوصف البارد والمحايد والتوثيقي. فالسيرة الروائية انما هي سرد ذاتي مباشر ، حتى ولو استعان الراوي بالصيغ الموضوعية. هنالك خرق مستمر للتجربة الحقيقية، اذ يمارس الأغواء السردي فعله دون مواربة في نوع من الكشف الداخلي الجريءوالنادر. ان صيغ الوعظ والإستعلاء والنبذ والإقصاء لاتجد لها مستندات تمنحها الشرعية في مثل هذا النوع من الكتابة، فكل شيء يستمد شرعيته الفنية بمقدار اتصاله بالذات ، ومايمر عبر منظورها ، فيضفي على الأشياء الأخرى الأهمية اللازمة. ليس لأحد قيمة الاّ بمقدار ما يقرره السرد الذي يتمركز حول شخصية واحدة هي الروائي الذي يستأثر بالموقع المركزي في النص0

       يقتضي الحديث عن السيرة الروائية الإشارة الى اهمية التجربة الذاتية المستعادة عبرصوغ فني مخصوص يناسب متطلبات السرد والتخيّل ، ذلك ان المادة التي يفترض ان تكون حقيقية واصيلة، لايمكن ان تحتفظ بذلك ، فما ان تصبح موضوعا للسرد الاّ ويعاد انتاجها طبقا لشروط تختلف عن شروط تكوّنها قبل ان تندرج في سياق التشكيل الفني، وعليه لايمكن الحديث عن مطابقة بين الوقائع التاريخية المتصلة بسيرة الشخصية الحقيقية والوقائع الفنية المتصلة بسيرة الشخصية المتخيلة الرئيسة في النص.هنالك تداخلات كثيرة فالوسيط السردي يعيد ترتيب العلاقات بما يوافق شروط العالم الفني الجديد0 إننا يمكن ان نحيل على وقائع خارج النص إستنادا الى الإشارات المعترف بها كالتواريخ والوثائق والأحداث ، لكن كل تلك المكونات قد كُيّفت واعيد انتاجها لتكون سلسلة من العناصر في نظام مختلف، مع انها قد توحي اذا قرئت في ضوء مرجعيات محددة بتلك الأحداث والوقائع0 ومهما يكن من أمر فإنه يلزمنا التأكيد على ان الأهمية في السيرة الروائية لا تنبثق من  البحث المباشر عن المطابقة بين الشخصية الواقعية وسيرتها من جانب والشخصية وقد اصبحت عنصرا فنيا في تشكيل تخيلي آخر ، انما تنبثق من كيفيات الإستثمار ودرجات الإستلهام، وكل الإنزياحات المحتملة التي تلازم التحول من حالة الى اخرى، هي تغييرات يفرضها تداخل الأساليب السردية والأزمنة والضمائر والأسماء والرؤى. فشروط استعادة تجربة ذاتية تخضع في الغالب لشروط زمن الإستعادة، ووعي المستعيد ووجهة نظره، اكثر مما تخضع لشروط المسار التاريخي الحقيقي لتلك الحياة، لأنه في السرد الأدبي ليس ثمة وقائع خام، انما نكون دائما بازاء وقائع قدمت عبر منظور ما متصل بزمان السرد ومكانه، وليس بالأطر التاريخية للأحداث التي يعتقد أنها حقيقية0وسنرى في الفقرة الأتية ان ( مرايا ساحلية ) ينهج هذا الأتجاه ، ليكون نصا معبّرا عما كنا قد ذكرناه بخصوص السيرة الروائية0

 

                                              (2)

    في كتاب أكدنا غموض هويته النوعية لابد لنا من العثور على نص مفتاحي ندخل منه الى صلبه  .وقد وجدنا نصين متتالين يردان في نهاية الكتاب تقريبا يصلحان كمفتاحين لذلك الدخول، والأول هو " في ذلك الزمان .. زمان الحمق والتذمر، اقول نعم..وفي هذا الزمان..زمان النضج ، أقول لا. إنه فرق في صياغة الأجيال.ص113" ثم يأتي النص الأخر بعد ان ينتهي الراوي من تقديم النماذج الكثيرة الى عرض لها لينصرف الى الحي الذي عاش فيه ، فيقول:" أعود الآن الى أهل الجوار، أهل البيوت الناقصة والمحاصرة، لن أباغتهم مباغتة الطفل الذي رأى ، وسمع ،وتذكر، لكنني أحرر ذكرياتي معهم من حبل معقود بشدة.ص117" وسنلاحظ فورا ان الراوي يتوسط زمنين ، ويشغل بحقبتين ، فهو في الوقت الذي يريد فيه ان يتحرر من ذكرياته عن الماضي، يريد ايضا ان يبعثه كاملا في ذاكرته. ثمة تعارض لايخفى ، فالراوي عالق بين زمنين ، فهو لايرى الماضي الاّ من  نافذة الحاضر ، بعبارة أخرى انه مشدود  في آن واحد الى قطبين يبدو التعارض بينهما في وعي الراوي جليا ، فالماضي الشفاف والرائع حيث كان كل شيء نزوة ومغامرة وحماقة ورغبة قد ذهب الى الأبد، انه الزمن الذي نقول فيه بملء الفم ( نعم ) دونما خوف او رهبة ، انه أجمل الأزمان اذا امكن لنا استعارة عبارة ديكنز.أما الحاضر الكثيف حيث كل شيء لايمكن ان يقال الاّ تورية ورمزا، وكل فعل لايمكن القيام به الاّ سرا وخفية ، فهو زمن النضج الذي لانستطيع ان نقول فيه سوى ( لا).أي ان الراوي متصل ومنفصل بكل من الماضي والحاضر في آن واحد، ولهذا فإنه يسعى الى استحضار الماضي عبر الحاضر . ولم يستطع ابدا ان يندمج بالماضي اندماجا كاملا ، فلقد ظل الحاضر حائلا دون ذلك .وهذا هو الذي يفسر المقارنة بين الزمنين كما ظهرت في النصين المذكورين.وطوال صفحات الكتاب ، وهي صفحات مفعمة بحيوية السرد وجمال اللغة الشعرية ، تغيب كل أشياء الحاضر الاّ أهم شيء فيه على الإطلاق ، وهو وعي الراوي بأنه غادر ذلك الماضي ولاسبيل الى العودةاليه . وبما ان الراوي لايتجسد في النص  كشخصية لهاكيان مشخص ، فالذي يحصل ان الراوي ينطلق من لحظته الآنية الى ذلك الماضي ، فيلحق ذلك الماضي به ، ولايلتحق به هو.انه لايعود اليه انما يستحضره في وعيه. والأمر الذي نخلص اليه هو ان أمير تاج السر الذي يتوارى خلف الراوي جر ّ اليه الماضي وعالجه طبقا لوعيه الآن وسط حنين جارف اليه. وهذه المشكلة التي يصعب حلّها لاتخص أمير تاج السر وحده فهي ملازمة لهذا النوع السردي الذي يستفيد من معطيات السيرة الذاتية ، لكنه لايمثلها كنوع أدبي ، ولنا ان نضيف الى كاتبنا هذا اسماء كتاب آخرين مثل نجيب محفوظ في ( اصداء السيرة الذاتية) وحنا مينه في ( بقايا صور ) ورؤوف مسعد في ( بيضة النعامة ) وسارتر في (كلمات ) ومحمد شكري في ( الخبز الحافي ) و( الشطّار) وغيرهم0وكل هذه نصوص تخيلية توهم بأنها تعود بنا الى الماضي لتدون لنا سيرة الكاتب ، لكنها في حقيقة الأمر تبعث الماضي من طيات النسيان فتأتي به الينا ، وهي نصوص تتحرر من قيود السيرة بمعناها المعروف ، لأنها تنتج فقط خطابيا تلك الوقائع الجزئية المستذكرة التي لها صلة بوعي المؤلف الان ، ولهذا فأنا أراها كنتاج لأزمة كامنة في الوعي، ففي حاضر يحول دون ان يختار الكاتب موضوعه وصوته ورؤيته وموقفه كما يريد بسبب الضغوط الإجتماعية والمحرمات الأخرى ، فإنه يلجأ الى استحضار عصره الذهبي : زمن الطفولة0 لكن الوعي الحاد بحاضره لايمكّنه من ذلك كما يريد ، فتتقطّع اوصاله بين عالمين وزمنين ، الى ذلك فإنني أرى ان هذا هو السبب الكامن وراء ظهور مانسميه الآن ( السيرة الروائية) 0 وكتاب ( مرايا ساحلية ) وثيقة شديدة التعبير عن هذا النوع السردي الذي بدأ يظهر في أدبنا الحديث ، واتوقع له إزدهارا كبيرا في المستقبل ، هذا اذا تحرر من النظرة المسطحة التي يعتقد كثير من الكتاب انهم  قادرون على ايجاد تطابق تام بين العالمين الحقيقي والمتخيل ، فضلا عن ذلك التخلص من وهم العودة الكاملة الى الماضي ، ذلك أن السرد لم يكن منذ وجد الاّوسيلة للإيهام بالحقيقة ، ولم يقم في يوم ما بوصف الحقيقة منذ ملحمة كلكامش اى نجيب محفوظ0

                                               (3)

         ليس من المصادفة الاّ تظهر الشخصية الرئيسة في هذا النص كشخصية مُجسدة فنيا ، فغيابها يتوافق  وماتوصلنا اليه من القول ان النص ليس سيرة ذاتية ، فالمتلقّي لايتعرّف الى المكونات الفنية للشخصية الرئيسة ، تلك الخصائص التي لابد من توافرها في النصوص السردية التي تريد ان تعرض عالما ما .قصدتُ المظاهر الخارجية، والأفعال، والملامح الفكرية . وهي خصائص بها يتمكن المتلقّي من التعرّف الى الشخصية داخل النص ، ومن خلالها يقيم حوارا تفاعليّا يؤدي الى انتاج المعنى الكلى للنص ، بإعتبار ان الحدث هو فعل الشخصية ، والخلفيات الزمانية والمكانية هي الإطار الذي ينظّم ذلك الحدث. فغياب الشخصية المجسدة ( اي الموصوفة من ناحية المظهر والفعل والفكر ) يبطل القول ان النص يتمحور حول شخصية مركزية0 ولكن هل يعني كل هذا ان ( مرايا ساحلية ) لايتضمن شخصية رئيسة على الإطلاق ؟  إن الجواب على ذلك هو النفي قطعا ، فالنص يشعرنا كل لحظة بوجود تلك الشخصية ، لكنه لايرسم في مخيلتنا اية صورة لها ، انه يتخطّى الوصف التقليدي الشائع في السرد الروائي، وبه يستبدل ضربا جديدا من الوصف الذي لايراد به رسم الشخصية ، انما أثر الأحداث في وعيها0 وهذا المطلب الذي يتردد في النص من اوله الى آخره، يحوّل الشخصية الى وسيلة بها يستكشف السرد عوالم الآخرين وليس عالم الشخصية ، وبعبارة أخرى فالشخصية تكون مصاحبة لنماذج كثيرة من الشخصيات من اجل كشف تلك النماذج ،وليس من اجل التركيز عليها هي0إنها تذكّر بذلك النوع من الرؤية التي شاعت في الرواية الأمريكة الحديثة ، بخاصة في روايات همينغواي وباسوس ، والتي يصطلح عليها نقديا (الراوي عدسة الكاميرا) إذ تنهض الشخصية بمهمة تصوير العوالم المحيطة بها، دون ان تتضح معالمها هي 0 ولأاقصد ابدا الإستبطان الداخلي العميق الذي تقوم به الشخصية لعالمها الداخلي كما نجد ذلك بجلاء عند جويس وفولكنر وبروست وفرجينيا وولف ، انما نزعة الحياد والموضوعية بإزاء عالم يتشكّل لوحده ، لكنه يصل الينا عبر منظور الشخصية، فهي التي تنتقي ماتريد ، وهي التي تنتخب ماتراه مهما ، والمتلقّي يتفاعل مع العالم المتخيّل فقط اذا استطاع ان يتقبّل مايعرض عليه من خلال ذلك المنظور0

       يستعين السرد في ( مرايا ساحلية ) بالأسلوب الذاتي ، وقوامه – كما هو معروف – ضمير المتكلّم ،وهذا الأسلوب يوهم بالمشاركة، وهو افضل الأساليب السردية لتحقيقها ، لكنه في هذا النص  يخالف تلك الوظيفة ، فالراوي يرصد مايجري حوله ، وفي الغالب لايشارك في شيء ، ولهذا فان الشخصيات التي يعرض لها تمر أمامنا وأمام الراوي – على حد سواء- دون ان نتمكن من العودة اليها ثانية ، فنحن اقرب مانكون الى رؤية فيلم سينمائي منه الى نص ، فما ان تعرض لقطة الاّ وتمر بلا رجعة ، فاذا رغبنا بمشاهدتها مرة اخرى فليس امامنا سوى خيار واحد لاغير : إعادة عرض الفيلم من جديد،وعلى غرار ذلك فان ( مرايا ساحلية ) يعرض علينا اكثر من ثلاثين شخصية تمر سريعا جدا ( كثير منها تخصص له صفحة واحدة ، فلانعرف خلفياتها ولامصائرها) ، فلا يقوم السرد باشباع الشخصية التي لن تعود غالبا الى الظهور مرة اخرى ، الاّ اذا قمنا بقراءة الكتاب من جديد0ولهذ يمكن وصف هذا النص بأنه نص مفتوح ، لايتقيّد بالمعايير التقليدية ، ولايتضمن حبكة من اي نوع كانت ، ولايعنى بتركيب عالم متعدد المستويات لشخصياته، وبالأخص الراوي الذي يتوقع المتلقّي ان يكون محور الأهتمام ،ولايبلور مغزى محددا، ولايحرص على صوغ عناصره الفنية صوغا يوافق قواعد السرد الشائعة ، واخيرا فهو يتخطّى بسهولة بالغة الإدعاء المزمن في نصوص السرد العربي الذي يقول بوجود رسالة ( من نوع ما ) يريد النص ابلاغها0 وهنا ينبغي طرح السؤال الذي لابد منه في مثل هذا المكان ، وهو:هل يعتبر كل ذلك – لو صحّ- نقصا وضعفا وقصورا في النص أم انه ميزة فيه ؟؟

  من الصعب جدا تطبيق معايير موروثة على نصوص لاتمتثل لحظة تشكيلها السردي لتلك المعايير، والتعسف في تطبيقها يشبه أمر إدخال جسم في زيّ اوسع او أضيق منه، فهو لايتوافق بالضرورة معه. ومن هنا ، فالنصوص الجديدة تتمرّد على الأطر المشتقّة من نصوص أخرى . وفي ضوء هذه الفكرة فإن عدم امتثال ( مرايا ساحلية ) لقواعد السرد التقليدي لايعني انه يفتقر الى تلك الخصائص ، بالأحرى ان له اسلوبا خاصا فيها ، إذ هو ينقض الموقع المركزي الموروث للشخصية في السرد ، ويحيلها الى مجرد رؤية تستكشف العالم المحيط بها ،  ويوزع دلالته علىالنص كاملا ولايقصرها على مكان واحد ، فالتمركز الدلالي لم يعد ميزة بحد ذاته ، انما اصبح النص مساحة مفتوحة وحرّة تتفاعل فيها البؤر الدلالية الصغيرة بما ينتج في نهاية المطاف مستويات دلالية متعددة ، وأخيرا يمكن الإنتهاء الى انه لامكان للحبكة في نصوص تتنكّب لكل موروثات السرد0ولهذا فغياب تلك العناصر لايخفض من القيمة الفنية للنص الاّ اذا أصر النقد على مالاينبغي الإصرار عليه في مثل هذا المكان ، وهو العثور على جملة من الخصائص التي لم يأخذها النص في اعتباره أساسا . وعند هذه النقطة تتقاطع النصوص مع النقد ، ويتقاطع النقد مع النصوص ، ولتجاوز اشكالية عميقة مثل هذه لابد من احترام النصوص ، والبحث عن خصائصها الذاتية في هدي الخصائص العامة .

 

                                              (4)

    يتركّب العالم المتخيّل للنص من تداخل ثلاث دوائر تتوسع تدريجيا منذ بداية النص الى نهايته ، والراوي هو وحده الذي يعرض علينا تلك الدوائر على التعاقب .وتتكون الدائرة الأولى من شخصيات مهمّشة تركت أثرها في شخصية الراوي ، ويزيد عددها على ثلاثين شخصية لاتوجد بينها تقريبا شخصية سوية بالمعنى العام لهذه الكلمة ،ومن امثلتها : المجذوب ،والمتسوّل ،والغامض، والدلاّل ، والمتخلّف،والكذّاب ، والمشلول، والمجنون،والمهرب ، والأعسر ...الخ ومن بينها شخصيات غريبة عن المكان تمر تاركة بصمة لاتمحى فيه ، مثل : راجا الهندي ،واستيفن لوال،وشيتا الحبشية ، وفهمي قرياقوس اليوناني من سالونيك ،وجانتي الألكتروني 0 فضلا عن نماذج مشوّهة يتقصّد الراوي اظهار عيوبها الخلقية والجسمانية ، الأمر الذي يظهر ان العالم المتخيّل للنص كان مشبعا بنماذج غير سوية0  انها تتراوح بين الجنون والعته والتهميش والكذب ، فيختار الراوي لكل شخصية حكايتها الدالة على التسمية ، ثم يمضي متعجلا الى غيرها0ولو تم استثمار القيمة الرمزية لشخصيات مثل هذه، واشبعت سرديا لكان النص قد اشتبك فعليا مع نماذج غنية في انتماءاتها الثقافية والعرقية والدينية ، ويمكن تفسير ذلك بان المكان قد حال دون ذلك ، فهو مدينة ساحلية يمر بها كل يوم عدد من النماذج ، وسرعان مايختفون لايلوون على شيءسوى الذكرى المرتسمة في ذ هن الراوي الذي يستهيم عشقا بها0ومن المؤكد ان بعض تلك النماذج تنطوي على حكايات لاتنسى فعلا مثل : حكاية آدم كذب  الذي يثري بكذبة واحدة يرددها طوال ثلاثين سنة للأجيال المتعاقبة دون ملل اوخجل ،مع ان الجميع يعرفون انها حكاية كاذبة ،ومؤداها انه بحاجة الى قليل من المال من اجل شراء تذكرة للعودة الى اهله( لقد حصد آدم من تلك القصة المرتبكة ثروة تكفي لشراء القطار بركابه وربما هيئة السكة الحديدية بكاملها)0وحكاية ود جضل اللص الذي ينتهي الى معتقل سياسي ، وحكاية سعد روميو ،وحكاية جنّي الحضرمي الذي يصطحب الراوي اول مرة لحضور حفلة زار0 ونماذج أخرى تنوء بحكاياتها كقدر لامناص منه 0أما الدائرة الثانية فهي الأمكنة  الضيقة التي يرتادها الراوي بكثير من الإستحياء ، ويعرّف بها تعريفا سريعا ، مثل : ستوديو العروسة ، ومقهى رامونا ، وحانة يني الأغريقي ،و دكان مدني للأحذية ،ومكتبة عكاشة 0وهي اماكن تتصل بحكايات تمكث قابعة في ذاكرة الراوي 0واخيرا الدائرة الثالثة ، وهي الأماكن العامة كالمدرسة ، والشارع ، والحي0ومن الملاحظ ان ترتيبها يرد بالتعاقب الذي أوردناه بما يكشف ان التأثير يبدأ من الأشخاص ، فالأماكن التي تتصف بخصوصية من نوع ما ، وصولا الى العوالم المفتوحة التي تمثل ساحات عامة للنشاط والتفاعل الإجتماعي، لكن النص عند هذه النقطة ينتهي0

     لو نظرنا الى النص من زاوية بناء الأحداث لوجدنا انه بناء متتابع . فالوقائع تسترسل متعاقبة،زمنها خطّي يبدأ من نقطة وينتهي عند اخرى ، فلاتتداخل الوقائع فيما بينها ، انها تعرض من منظور الراوي طبقا للنسق الذي تحدث فيه في الواقع ، وهذ نسق تقليدي ثبتّت ركائزه الرواية التي ارادت ان تلعب دور التاريخ ، وكما اكدنا من قبل فالراوي ينطلق من فرضية كونه شاهدا على الأحداث ، ولذلك فانه يعرض تلك الأحداث على المتلقّي متعاقبة ،وبما ان المكان  هو الفضاء المؤطّر لتلك الأحداث  فقد تم التركيز عليه كمجال للحركة ولمرور الشخصيات ،ولم يعن الراوي بتفصيل معالمه 0 وهكذا فان العناصر الفنية المكونة للنص ( الشخصيات + الأحداث+ الزمان +المكان) لم تتفاعل بحسب الطرق الشائعة في السرد الكلاسيكي، ومن ذلك فليس ثمت ذروة في الأحداث، وليس هنالك صراع وعقدة وتدرّج ونهاية منطقية 0فبكل ذلك استبدل النص بنية سردية من نوع أخر ، قوامها العرض المحايد لعالم تشكّل من تضافر الذاكرة والمخيّلة (الذاكرة انتجت الجزء السيري في النص ، والمخيلة انتجت الجزء الروائي فيه ) وقد اقتضى ذلك اعادة توظيف لهذه العناصر الفنية بما يخدم  حاجة النص 0 انها بنية مفتوحة قابلة للإستنطاق والتأويل بحسب القراءة النقدية ونوع مقاربتها للنص 0 ونراها تشترك مع نصوص السيرة الروائية العربية الأخرى في تأسيس نوع سردي جديد نحسب انه سيستأثر بالإهتمام في المستقبل، ذلك ان التخيّل السردي أصبح أكثر ميلا لدمج الأبعاد الذاتية للأحداث بالأبعاد المتخيلة .