|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
في أدب أمير تاج
السر
الخروج
على الأيديولوجي برؤية غنائية
عماد الدين البليك
ان مفهوم انجاز الاختلاف والذي نباشر به معالجة اعمال أمير تاج السر الروائية، يقوم على دراسة التقنيات الجديدة في البناء الشكلي، والمضموني للرواية، بالرجوع الى قاعدة مشكلة أساسية للوعي النصي في سيادة سلطة اللاأيديولوجي كمحور أساسي في بلورة العمل الروائي التسعيني في السودان.
وسوف تحاول هذه الدراسة مقاربة امير تاج السر بمجمل الوعي الروائي السائد في الرواية السودانية الجديدة، للخروج بنتائج في اطار قراءة التشكل الرؤية المناخ الاستراتيجي للأعمال التصاعد لصناعة خط التماس الرواية الجديدة، القادرة على بناء مستقبل الرواية في السودان بتجربة ووعي جيل جديد، مصادم للموروث بقانون الاحترام، متفاعل مع الرؤى الكلية لمتشكل الوجود الآتي، محاولة لبعث النظام الحديث والسابق في صنع أعمال متميزة وذات فعالية في التواصل والاستمرارية بقوة وحقيقة للمستقبل.
ينتمي أمير تاج السر للجيل الجديد الصاعد في السودان، ممن غامروا بكتابة الرواية بتقنية ولغة جديدتين، خارجتين عن المألوف والموروث، لكنه في ذات الوقت يمثل امتدادا لا قطيعة لمسيرة الرواية السودانية، عبر تجربتها وتراكمها لدى ملكة الدار وأبو بكر خالد والطيب صالح، الى ديومة، الراوي واحمد حمد الملك.
ويعبر الكاتب امير تاج السر عن اللوحة الفسيفسائية لمركب الثقافة الافريقية، لون العربي، ولون الزنجي، فهو يمثل تيارا يعكس اسلوب التداخل الثقافي، جيولوجيا الأرض الملونة من الغابة الى الصحراء. وتعبر تجربته عن عمق الانتماء للجذور والأرض، وعن رغبة التمرد والقطيعة عن الواقع في خلق واقع جديد، يحاول ان يتلمس طريقة بابداع أبطال وشخصيات تتحرك في فضاء النص بحرية مزاحمة الجغرافيا والتاريخ، قالبة موازين الوعي المعروف.
فمنذ ان كتب امير تاج السر روايته الأولى كرمكول والتي ترتبط عبر استراتيجية العنوان فيها بمفهوم الأرض والمكان، أشعر قارئه بمحاولة تفكيك لغز المكان عبر الإنسان كفاعل في ادارة محور التاريخ، خلق الكينونة والوجود، ورسم مسار الواقع، ومحاولات استنطاقه ونفيه وتعديله.
ان تجربة الوعي الجديد في الرواية السودانية تنبني على محور هام وارتكازي معادل للخروج عن السلطة في عصر ما بعد سيطرة الاستعمار، وخروج الإنسان السوداني الى المؤسسات المدنية كفاعل ومحرك ومدير لا بستمولوجيا الوعي الاجتماعي، وقواعد تركيب المجتمعات الجديدة في الأطراف والمراكز السودانية.
وتنطلق الرواية عند تاج السر من تجربة الوعي المبكر او الطفولة، كمرحلة لها جاذبيتها في دينمة الصراع وتكثيف بؤر الانتماء والفاعلية لابداع الكون المحلي المحاول لخلق جسور التطلع للعالم من خلال نافذة الموروث، والثقافة المحلية، وقد يبدو للقارىء ان هذه التجربة بهذا التنظير والفهم هي امتداد طبيعي لما قدمه الطيب صالح في حفر مركبات الزمكان السوداني في فترة الاستعمار والسنوات العشر الأولى للحكومات الوطنية، لكن منظار الوعي النقدي يجب ان ينظر الى هذه الروايات أعني ــ روايات الطيب صالح ــ في كونها عبرت عن هم الجيل الثاني من المثقفين السودانيين الذين خرجوا خاسرين عن استنطاق مفهوم السودانوية بوعي مبكر وحقيقي.
وما يشعرك به انتماء ابطال أمير تاج السر هو قدرة الشخصيات على التلون مع فاعلية الوافد والمتغير في المجتمع السوداني، وهي الحقيقة التي ربما لم تحرك بنية الوعي الانتقائي لبناء رواية حديثة قائمة على وعي المركبات المختلفة للزمكان السوداني في الروايات التي سبقته او كان تاج السر امتدادا لها في محاولاته لبناء رؤيا استراتيجية للوعي الروائي الجديد في السودان.
ويبتدع أمير تاج السر فكرة اللغة كمحاولة لحضور سلطة العمل الروائي في اطار خلق التمييز بين الأشكال المختلفة للوعي فهنالك دائما نزوح نحو انجاز الاختلاف كضرورة في الابداع الروائي الحديث القائم على التداعي الحر، بعيدا عن القوانين الارثوذكسية للرواية، ونجد ان نفس المنهج في الكتابة مستخدم عند عيسى الحلو في روايته الصادرة عن دار الخرطوم للنشر عام 1998 تحت عنوان صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل ، لكن الاختلاف بين اعمال امير تاج السر وعيسى الحلو يكمن في طريقة التعامل مع الفضاء المكاني ومسرح العمل الروائي.
ان انجاز الاختلاف عند تاج السر ينبع من المركب العرقي، الثقافي، البعد الديني، فاعلية الإنسان والأرض، بينما هو عند عيسى الحلو يقوم على مسرح اللامكان، واللامعقول، وهذا جاء كانعكاس لتجربة عيسى الحلو في الستينيات، وتأثره في ابداعه بالمدرسة الوجودية عند سارتر، وسيمون دي بوفوار، لكن أمير تاج السر وان كان يستخدم اللامعقول الا انه يقوم في انجاز سلطة اللامعقول عبر اللاايديولوجيات، وهذه واحدة من مميزات العمل الروائي الجديد في السودان حيث نجد هذا المنهج مستخدما عند مجموعة من الروائيين السودانيين الجدد مثل عثمان شنقر في عمل غير منشور تحت عنوان ابر الحنين التي تعبر عن الرغبة الجديدة في تلوين الحاضر برغبة بناء المستقبل الأفضل على قواعد الماضي بألواحه المذهبة على طريقة الشرافة في الخلوة السودانية.
اما احمد حمد الملك، فيقوم العمل الروائي عنده في سلطة اللا ايديولوجيا كما في روايته عصافير آخر أيام الخريف على فكرة سيادة الغريب في المجتمع السوداني وفاعليته، دون ان يواجه او يحارب كمتسلط، بل يندمج كفاعل ومؤسس ورافد في الثقافة السودانية.
وتنبع قضية الخروج عن الايديولوجي، كانعكاس لفشل الانظمة السياسية المتباينة في السودان بعد نصف قرن من التجريب، ويأتي الجيل الجديد من كتاب الرواية، والصاعد بمحور يقوم على تحريك البناء الروائي لاستقطاب وتحفيز المجتمع السوداني، لاعادة قراءة العديد من المفاهيم والرؤى السائدة، وليس نفيها، وهي محاولة جديرة بالوقوف عندها، لانها تعبر عن التعديل برؤية الانتماء، والرغبة في استكشاف مجهول الماضي وسيرة الجد.
ان فعل المغامرة عند الجيل الجديد، كما عند امير تاج السر هو محاولة جريئة للخروج بالرواية السودانية الى طور جديد يتفاعل مع المتحول والمتغير في الثقافة السودانية، وهي حاجة أصيلة لا بد منها في اطار الصعود الى الأفضل لتعلن عن موت الرواية القديمة، ونظمها، لكن فكرة الموت قد تخلق من ورائها الاستمرار والفاعلية والحيوية والشفافية والابداعية الآتية من بعدها وهذا ما تحاول الرواية الجديدة السودانية ان تتفاعل معه، تستنطقه، تجد القوالب له بشكل غير تقليدي، لتبني سلطتها وقوتها في الوصول الى القارىء والتفاعل معه واقعية وحياة متجددة، ولتواسيه عن الفشل والاحباط والإحساس بالخيبة والهزيمة المتكررة في حياته كردة فعل للعوامل السياسية والاقتصادية، في قوة من السرد القادر على الانتقال بالوعي من مدارج المباشرة الى العمق الملتزم بضرورة الكتابة الجادة والنشطة في عصر التحولات.